تعديلات الدستور في عهد البعث : الحلقة الثالثة

 
        أقول لقد ضحكت كثيرا عندما قرأت المادة رقم (26) من الدستور السوري والتي نصها : ( لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك ) ..
لقد ضحكت و أدعوك أخي المواطن السوري لكي تضحك معي على هذه الكذبة الكبرى ، وأنا أتساءل أي حق هذا الذي يتحدث عنه الدستور وقد ألغى قانون الطوارئ المطبق منذ أكثر من أربعين عاما كل حق من حقوق المواطنة بل كل حق من حقوق الإنسان ..؟ ولماذا يتمسك النظام الحاكم في سورية بقانون الطوارئ منذ أكثر من أربيعن عاما ..؟ ولماذا يزج بالسجون والمعتقلات أشخاص كل ذنبهم أنهم كتبوا مقالا في جريدة أو قرأوا بيانا أمام مجموعة من الناس أو أرسلوا رسالة عبر الهاتف الجوال أو عبر البريد الإلكتروني ..؟
        عود إلى المادة (26) والتي تقول : ( لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية ) .. وأنا آتساءل وأتحدى هل يستطيع أحد أن يقوم بأي إسهام سياسي داخل سوريا بل العكس من ذلك فإن المادة الثامنة تقرر أن حزب البعث العربي الإشتراكي هو الحزب القائد وهذا يعني أن القائد يجب أن يطاع وأن يتنازل الجميع عن آرائهم ومعتقداتهم وأفكارهم للحزب القائد فأي حق سياسي بقي للمرؤوسين مادام القائد هو حزب البعث العربي الاشتراكي وأية حرية سياسية أو اجتماعية أو غيرها يمكن أن تكون للمواطن ..؟ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن أعضاء الأحزاب السياسية الأخرى وقيادتهم كلهم إما معتقلون أو مهجرون أو تم إغتيالهم أو حكم عليهم بالإعدام وهذا ما ينص عليه القانون ( 49 ) الذي يحكم بالإعدام على كل من ينتسب إلى حزب الإخوان المسلمين ، وتعديلات هذا القانون التي تنص بالحكم بالإعدام على كل من يتعاون مع حزب الإخوان المسلمين أو يتبنى آراءهم أو يوزع بياناتهم أو غير ذلك .. وكذلك الأحكام التعسفية الخاصة بالتنظيمات الشيوعية والماركسية حيث يزج بالسجون كل من يتمسك بالفكر الماركسي .. فأي حق سياسي هذا إذا كان مصيره السجن أو الملاحقة أو الإعدام ..؟ .. أما حزب الشعب والحزب الوطني والحزب القومي السوري وغير ذلك من الأحزاب السياسية العريقة فقد تم حلها بشكل كامل وملاحقة قادتها وزعمائها مما اضطرهم إلى مغادرة الوطن والعيش خارج أرض الوطن بقية حياتهم ..
        نعود إلى المادة رقم (26) من الدستور البعثي المعدل : ( لكل مواطن حق الإسهام في الحياة الاقتصادية ) ... والحقيقة يجب أن نقف طويلا أمام هذه النقطة بالذات ذلك لأن هذا الحق أصبح وعلى الواقع السوري منحصرا بالضباط الكبار والمتنفذين في الدولة وفي رجال المخابرات والأمن ولو أننا فتحنا ملف الفساد والمحسوبيات في وطننا الحبيب لوجدنا أن كل رجال الأعمال على مستوى القطر العربي السوري دون استثناء مدعومين من بعض المسؤولين أو المتنفذين في الدولة أو من ضباط الجيش أو ضباط المخابرات والأمن أو من الوزراء أو من المحافظين أي أن الفاسدين من أعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي هم وحدهم لهم الحق في الأمور الاقتصادية أما الشعب المسكين فلا يمكنه الحصول على حقه إلا عبر شبكة طويلة من المحسوبيات والرشاوى أو حتى الشراكة مع بعض المتنفذين ، وإننا سنخصص في وقت لاحق حلقات خاصة عن ملف الفساد في وطننا الحبيب .
        تقول المادة رقم (26) : ( لكل مواطن حق الإسهام في الحياة الاجتماعية ) .. وهذه المادة فيها شيء من الحق فالمواطنون كلهم يساهمون في الفقر والجوع والمرض والمواطنون كلهم بساهمون في حياة القطيع الذي يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي دون تفريق بين مواطن وآخر اللهم إلا بعض المتنفذين من أعضاء الحاشية الحاكمة ، وأنا إذ أطلق كلمة القطيع لا أبتعد كثيرا عن الواقع ذلك ان المواطن الذي لا يحق له ان يتكلم ولا يحق له ان يعمل بكامل حريته ولا يحق له أن يدرس ويتعلم ويكتب بحرية ولا يحق له حتى المطالبة بحقوقه كإنسان إنما هو فرد في قطيع أشبه ما يكون بقطيع من السوائم يقوده الراعي الذي هو حزب البعث العربي الاشتراكي القائد إلى أي مكان حتى لو كان هذا المكان هو المذبح وهذا ما نراه في منطوق القانون (49) الذي يحكم بالإعدام لمجرد اعتناق فكرة أو تبني فكرة مخالفة لمنطوق الراعي .
        تقول المادة (26) : ( لكل مواطن حق الإسهام في الحياة الثقافية ) .. وهنا في هذه الكلمة بلغ السيل الذبى .. حيث وصلت الأكذوبة هنا حدا يفوق مبدأ ستالين في الكذب على الناس ، إننا نتساءل عن الثقافة والعلم بعد أن دمر حزب البعث العربي الاشتراكي الثقافة والعلوم لا لشيء إلا ليدخل الأغبياء والمتخلفين في سلك الثقافة والعلوم ، حزب البعث العربي الاشتراكي هو الذي قام بمجزرة التعليم فسرح كل الكوادر العلمية الخبيرة من المدارس والمعاهد والجامعات وسلمها للأغبياء والمتخلفين علميا وعقليا وفكريا لذلك نشأ جيل من أرباع المعلمين إن لم يكن أقل من ذلك ، وأنا أعلم أن الشهادة التي تعطيها الجامعات السورية على اختلاف أنواعها غير معترف بها في معظم جامعات العالم المتقدمة لذلك يخضع خريجوا الجامعات السورية إلى اختبار دقيق وإلى إعادة أكثر من (70%) من المواد التي درسوها في الجامعات السورية أضف إلى ذلك أن المناهج التي تدرس في الجامعات أصبحت تحتاج لوضعها في متاحف التاريخ إن لم نقل في مزابل التاريخ واستبدالها بمناهج حديثة رائدة .. يجب أن نتبنى مناهج الجامعات العريقة الراقية حتى نسير في درب التقدم والبناء لهذا الوطن المعطاء ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن المراكز الثقافية المنتشرة على مستوى القطر والكتب الثقافية التي يسمح بنشرها وطباعتها في وطننا الحبيب فحدث ولا حرج حيث هبط المستوى الثقافي والإبداعي إلى مستويات محزنة ولم نعد نرى أي إبداع لأن أي إبداع مصيره المنع والخنق وأريد هنا أن أنقل عن أحد الكتب الثقافية لإحدى الكاتبات السوريات دون التعرض لاسم الكتاب أو لاسم الكاتبة لأبين لكم المستوى الذي هبطت إليه الثقافة في بلدنا الحبيب ، تقول الكاتبة ...

فقرة رقم 13
هذا الصباح
واطفي لا أعرفها
في داخلي
تعصرني
تقلتني
أتألم
لم افتح النافذة
وعلى النافذة
فراغ محدق
ضوء
هذا الصباح
الضوء فقط
للتأكد
................................
فقرة رقم 14
هذا الصباح
تنقبض أنفاسي
بذلك الألم نفسه
حتى ينقبض القلب
بمقلتين عميقتين
بجسد من تراب
أتوسل
فيسكب لي
في ضوء نافذتي
نصيبي لهذا اليوم
من الأكسجين
.......................................

        ولا أريد أن أطيل لأن كتابا يقارب عدد صفحاته المئتان كله على هذا المستوى من التفاهة والتخريف هو الذي يمثل الثقافة الحديثة في وطننا الحبيب بعد أن أقصي الأدباء والمفكرون والمثقفون والمبدعون وبعد أن تم إعدام كثير منهم في وطن يدعي حرية الثقافة .
        قول المادة (26) من القانون البعثي المعدل : (وينظم القانون ذلك ) .. وهذه الفقرة الأخيرة من المادة (26) والتي تمثل الشماعة التي تعلق عليها كل الأخطاء والتجاوزات والإنحرافات والفساد إذ أنه ومن خلال هذ الفقرة يمكن للفاسدين من أعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي أن يضعوا ويبتكروا قوانين سافلة ومجرمة لتنظيم منطوق هذه المادة وهذا ما يحصل فعلا على صعيد الواقع إذ أن كلمة (وينظم القانون ذلك ) في منطوق الفاسدين من البعثيين تعني قلب الحقائق وإهدار الحقوق والظلم والفساد وما إلى ذلك من الأمور السافلة الهابطة التي تشوه دستور البلاد لكي تطغى وتستعبد العباد .
    مع تحيات اللجنة الإعلامية
    في حزب الشعب الحر في سورية