الحلقة الأولى

 
 
حمدنا الله أن نجانا من نقطة الحدود ودخلنا أرض الوطن بفرحة غامرة بعد سنتين ونصف من البعد والفراق ، وظننا أن الأمر قد انتهى على هذه الحالة وأن زبارة فرع المخابرت أمر روتيني أمني لا يحتاج إلا لدقائق معدودات وينتهي كل شيء .
 
في الطريق إلى مدينتنا العتيدة استقبلتنا دوريات للشرطة والأمن استطعنا أن نتجاوزها بشيء من الدعم المادي الذي اعتبرناه صدقة لأولئك الأشخاص الذين لا تكفي رواتبهم قيمة خبز لعائلاتهم وأولادهم فإذا لم يأخذوا صدقة من هذا وذاك فكيف يعيش رجل الأمن الصغير هذا المنطوع على قارعة الطريق من الصباح إلى  ما بعد منتصف الليل منتظرا الرزق الذي يعتبره هو حلال من هذا القادم أو ذاك المغترب خاصة وأن القيمة الشرائية للعملة السورية قد انخفضت إلى مستويات سحيقة في ظل حكم الفاسدين من أفراد البعث ، ولا أريد أن أطيل عليكم فلقد كلفتنا هذه العملية مبلغا كبيرا من المال إلا أننا تجاوزنا الطريق بسلام ووصلنا إلى مدينتنا العتيدة بأمان استرحنا يوما أو يومين وإذا بجرس الهاتق يقرع علينا في الصباح الباكر ، رفعت السماعة وإذا بصوت متعجرف أجش يصيح بشيء من العصبية .
 
هل أنت فلان ؟
 نعم فلان من حضرتك ؟
 ماذا لم تراجع فرع الأمن رقم (----) ؟
 ياسيدي وصلت منذ يومين وسأزوركم لاحقا.
 ألم يبلغوك على الحدود بزيارتنا فور وصولك المدينة .
 بلغوني ياسيدي ولكننا وصلنا منهكين من الطريق الطويل.
 وهل تظن أن زيارة الفرع على كيفك متى تشاء وتريد ؟
 لا ياسيدي ولكني قلت لك بأنني وصلت متعب بل مريض ومنهك في قيادة سيارتي آلاف الكيلومترات.
 نحن هنا لانفهم هذه المصطلحات متعب .. منهك .. غدا صباحا في الساعة الثامنة تحضر إلى الفرع للتحقيق .
 تحقيق ياسيدي ...!
 ليس بالضبط ولكن نريد منك الإجابة على بعض الأسئلة .
 حاضر ياسيدي سأكون عندكم في الثامنة صباحا .
 عند وصولك تراجع الضابط فلان (----)
 
 أصابني شيء من الذهول والتقزز والألم من تلك المكالمة المقيتة وشعرت عندها أن حريتي مغتصبة مقيدة وأحسست بالضيق حتى كدت أختنق ...
 
ذهبت في صباح اليوم التالي مبكرا إلى فرع المخابرات رقم (---) فشعرت بالضيق عندما وقفت امام مبنى فرع المخابرات وعندما سمح لي بالدخول بعد تفتيش دقيق وتحقيق مريع شعرت عندها بالرعب وأخذت تتقاذفني الأيدي من عسكري إلى آخر حتى وصل بي المقام إلى مقرالضابط المسؤول عن ملفي والذي علمت اسمه من المكالمة الهاتفية سألت عن الضابط فقالوا لم يأت بعد انتظرت ساعة و ساعتين وسألت قالوا عنده اجتماع .. انتظرت ساعة و ساعتين فلم يأت أحد خاصة وأنا أتجول جيئة وذهابا في الممر أمام غرفة الضابط إلى أن حضر السيد الضابط وسألني بشيء من الصلف والتكبر :

من أنت ؟
أنا فلان ، طلبتم مني مراجعة الفرع .
ولكن قلت لك الساعة الثامنة .
أجل حضرت منذ الساعة السابعة والنصف وأنا انتظر هنا .
إذا انتظر حتى أناديك .
حاضر سيدي .
 
انتظرت ساعة أو ساعتين ورجال تدخل وضباط تخرج وعساكر تدخل ومساجين تخرج وكأنهم وضعوني ضمن مسلسل رعب بغية حرب نفسية لتحطيم الأعصاب ورغم أن ملفي الأمني نظيف مئة بالمئة ورغم أن أموري وأمور عائلتي كلها نظامية ورغم أنني من عائلة متحررة إلا أنني شعرت بالخوف والرعب وصل بي إلى حد الهلع وقوفي ثلاث ساعات دون ان يسال عني أحد ، وفجأة خرج الضابط ليقول لي مع ابتسامة صفراوية مصطنعة ...
 
آسف عندنا اجتماع خارج الفرع يجب أن تحضر غدا .
 
يس بالضبط ليكن الساعة التاسعة .
 
خرج وخرجت وراءه لأتلقى الأسئلة من هنا وهناك كل واحد من عناصر الأمن يريد أن يجرب حظه معي وكلهم يسأل إلى أين أنت ذاهب ، هل انتهيت من التحقيق ، هل سمح لك الضابط بالمغادرة ، إلى آخر ما هنالك من أسئلة حتى وصلت بوابة الخروج وهناك أجرى معي تحقيق مختصر خرجت بعد ذلك لاستنشق عبير الحرية ، لقد كانت هذه الحرية ناقصة ، مؤقتة لانني لا أدري ماذا سيكون في الغد .. استيقظت صباح اليوم التالي وجهزت نفسي للذهاب إلى فرع المخابرات رقم (---) وانتظرت كالعادة ثلاث ساعات أو تزيد حتى جاء الفرج وسمح لي بالدخول إلى ضابط الأمن السيد (---) وهنا كانت الكارثة ، وهات يا أسئلة وتحقيقات ورغم أن المعلومات عن كل فرد في الدولة موجودة وكاملة في ملفات المخابرات إلا أنهم دائما يعيدون هذه الأسئلة ، منذ دخولي الصف الأول الابتدائي وحتى اللحظة الحالية والسؤال المتكرر في كل سنة من سنوات عمري .
 
من تعرف ...؟  من كان معك في هذه الفترة ...؟  هل تعرف فلان ..؟  هل تعرف علان ...؟  لماذااجتمعت مع فلان ...؟  ماهي العلاقة بينك وبين فلان ..؟  وعلى الرغم من أن كثيرا من الأشخاص الذين كانوا معي في سني الدراسة انقطعت عني أخبارهم منذ زمن بعيد إلا أن ملف الامن لا بد أ يذكرك دائما بكل شاردة وواردة ويسألك عنها .. وفي هذا المجال ربما يستفيد الإنسان من مراجعة معلوماته وتذكر أصحابه وأصدقائه في سني الدراسة ..
 
استغرق التحقيق أكثر من ثلاث ساعات استضافوني خلال ذلك بفنجان من القهوة أشكرهم على ذلك لأنه أعطاني جرعة مهدئة بعد التشنج والاضطراب العصبي الذي حصل لي ، وخرجت ولكن على موعد آخر حيث طلب مني الضابط أن أزور الفرع قبل أسبوع من مغادرتي أرض الوطن .
 
وعندما قررنا العودة بعد انتهاء إجازة الصيف مررنا بنفس المراحل السابقة ولكن بشكل معكوس ، زيارة فرع المخابرات ، الدوريات المنتشرة على الطريق ، نقطة الحدود السورية ، نقاط الحدود الأخرى حتى وصلت إلى بلد إقامتي وعملي عندها تنفست الصعداء وشعرت بالحرية فعلا رغم الظروف المناخية الصعبة ورغم الحر الشديد .