أهلاً وسهلاً

الدستور بعد حسني الزعيم


  في 14 آب 1949 م قاد سامي الحناوي انقلاباً عسكرياً على حسني الزعيم الذي كان اول ماقام به أن أوقف العمل بالدستور الذي وضعه حسني الزعيم ، وأحال الحكم إلى حكومة مدنية ، والتي وضعت فيما بعد قانوناً جديداً للإنتخابات ، فجرى انتخاب جمعية تأسيسية في 15 تشرين الثاني 1949 م التي أصدرت أحكاماً دستورية مؤقتة على صعيد الجيش والمجتمع ، وتفاءل الناس خيراً بهذه التغيرات والتطورات التي لم تدم طويلاً . لكون سامي الحناوي نفسه يتبع إلى السلك العسكري وقام بانقلابه بدعم غربي صليبي فسرعان ما عادت دفة الحكم تتجه إلى الديكتاتورية وتسلط الجيش ويمكن أن نجمل الملامح الدستوريةفي سورية في عهد سامي الحناوي بالنقاط التالية : 

**    تكريس مفهوم الابتعاد عن الدين وعن التشريعات التي تمت إلى الدين الإسلاميي بشكل كامل وإقرار مبدأ فصل الدين عن الدولة الذي هو أكبر جريمة في حق الإسلام والمسلمين نفذها عملاء الدول الغربية الاستعمارية بدعم وتوجيه من القوى الاستعمارية وبذلك نجد أن الاستعمار الغربي الصليبي الحاقد لم يخرج من سورية إلا وقد وضع له ركائز وأذناب تنفذ مطالبه وأهدافه .

**    منع وإلغاء كل المبادئ والتشريعات والمفاهيم الإسلامية في الدولة السورية الفتية وتسليم السلطة وبشكل شبه كامل إلى القوى العلمانية في الدولة سواء المدنية منها أم العسكرية .

**    توجه الأحزاب العلمانية الراديكالية إلى الجيش والابتعاد عن ساحة عملها الحقيقية بين الناس في المجتمع السوري .

**    تحكم الجيش وتسلطه على مقاليد الأمور في الدولة بما يملكه من قوة بطش عسكرية غاشمة وبذلك انحسرت فكرة الديمقراطية أو المشاركة السياسية بشكل فعلي .

**    نظراً لأن القوانين العسكرية تعتمد على مفهوم الطاعة والتبعية وتمنع الاجتهاد والمخالفة في أي شيء مما أدى إلى رفض المعارضة السياسية بكل أشكالها وبالتالي ظهور الاستبداد والديكتاتورية والقضاء بشكل أو بآخر على الحريات الشخصية والسياسية والمدنية .

**    ابتعاد الطبقة الغنية والعائلات العريقة والمتدينة عن الجيش لانتشار الفساد فيه مما فتح المجال واسعاً أمام الطبقة الفقيرة والأقليات العرقية والطائفية مما أدى إلى ظهور بوادر الصراع العرقي والطائفي والقبلي والطبقي في الجيش أولاً ثم في بنية الدولة بشكل عام ، ونتج عن ذلك نشوء حالة عدم الاستقرار وانتشار المحسوبيات وتوقف فرص التطور والتقدم والنجاح للمجتمع والدولة مادامت السلطات جميعها في يد العسكر الذين لا يفقهون شيئاً قي السياسة وأنظمة الحكم .

**    إن تدخل الجيش في كل صغيرة وكبيرة في الدولة وتدخله في السياسة الداخلية أدى إلى تعطل عمل الدستور وتعطيل الحياة السياسية البرلمانية مما أدى إلى ابتعاد الجيش عن مهمته الأساسية في حماية الوطن وانخراطه في السياسة والسيطرة على مقاليد الأمور ( وهذا الدرس هو ما تعلمه العلويون النصيريون وعلى رأسهم المقبور حافظ وابنه المعتوه بشار ) من الإنقلابات العسكرية .

**    انتشار الفساد في الدولة والمجتمع نتيجة تسلط العسكريين وخاصة المتنفذين منهم ومنع محاسبتهم ، إذ من يستطيع محاسبتهم وبيدهم كل السلطات ويسيطرون على كل شيء في الدولة .

**    تضاؤل دور المجتمع المدني والقوى السياسية وهيمنة العسكر على مقاليد الأمور مما أدى إلى القضاء شبه التام على القوى السياسية وعلى المسار الديمقراطي وإفساح المجال أمام الديكتاتورية العسكرية أو دكتاتورية الحزب الواحد الذي ينتمي إليه المتنفذون من العسكر ( وهذا الدرس مما تعلمه المقبور حافظ وابنه المعتوه بشار ) .

         ولكن انقلاب الحناوي لم يدم طويلاً فلم يكمل الانقلاب عامه الأول ( تسعة أشهر ) حتى قام أديب الشيشكلي بانقلاب جديد أطاح بالحناوي وزمرته الفاسدة وذلك في 19 كانون الأول 1949 م وفي بداية فترة الشيشكلي كان هناك توجه بسيط للإصلاح لأن الفساد والديكتاتورية قد عمت وطغت وبغت على البلاد والعباد فتفاءل الناس خيراً لعل هذا الضابط العسكري الذي جذوره مدنية من عوائل راقية في المجتمع يكون فاتجة خير على الوطن . قام الشيشكلي بإنشاء خمسة وزارات أساسية لإدارة شؤون البلاد بعد التسيب والانفلات وضياع سلطة الدولة وهيبتها والذي حصل في عهد سابقه الحناوي ، وخلال فترة وجيزة تم تشكيل لجنة من المجلس النيابي ضمت ثلاثاً وثلاثين عضواً مهمتها وضع مسودة لدستور جديد للبلاد يضبط ويحكم الأمور في البلاد التي عانت من التسيب والانفلات وبرزت في هذه الفترة شخصية الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله كممثل للتيار الإسلامي المناهض لجميع التيارات العلمانية واللادينية الطاغية في تلك الفترة من التاريخ ذلك لأن الاحتلال الفرنسي الصليبي لم يخرج من سورية إلا بعد أن أعد طغمة واسعة من العلمانيين اللادينيين أو من المسيحيين المتشددين لتنفيذ خططة ومآربه وأهدافه وأولها وأهمها إبعاد الدين الإسلامي عن واقع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بل عن كل مرافق الحياة . 

        كان الدكتور الشيخ مصطفى السباعي ( وهو المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية ) يبذل أقصى جهوده وحنكته في إعادة الإسلام إلى الدستور يساعده في ذلك عدد كبير من أبناء سورية المؤمنين الذين يحملون في قلوبهم غيرة شديدة على الإسلام والمسلمين والذين اكتشفوا بوقت مبكر ألاعيب الإستعمار الفرنسي الصليبي ومن تربوا على أيدي الاستعمار الفرنسي فعمل بكل مالديه من علم وفقه وذكاء ودهاء لإعادة الشريعة الإسلامية إلى الدستور وإلى الحياة السياسية والنيابية من جديد ، خاصة حين وجد بوادر إصلاح في شخصية الزعيم الجديد للإنقلاب أديب الشيشكلي . واستطاع الدكتور مصطفى السباعي ( وهو من العائلات المرموقة في مدينة حمص ) من حسم موضوع إرجاع الشريعة الإسلامية إلى نص الدستور السوري ولكن لم يستطع أن يدخل فقرة ( التشريع الإسلامي هو المصدر الأساس للنشريع في سورية ) والتي كانت هدفاً رئيسياً من أهداف الدكتور السباعي رحمه الله وذلك لمعارضة العلمانيين والقوميين واللادينيين والمسيحيين الشديدة لهذه الفقرة ولكن تم التوصل إلى :

**    دين الدولة الإسلام .

**    دين رئيس الدولة الإسلام .

**    الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع ( وهذا أقل بكثير من عبارة المصدر الأساس للتشريع التي كان يهدف إلى وضعها في الدستور ) . 

         ولكن الشيشكلي كغيره من العسكريين العلمانيين لم يكن أحسن حالاً من سابقيه فاتسمت فترة حكمه بالفوضي والفساد وتعطيل الحياة الدستورية أيضاً ، وقام بإصدار قوانين خاصة بعيداً عن الدستور لتسيير أمور الدولة والآداب العامة وجميع مرافق الحياة في الدولة تهدف إلى القضاء وبشكل جزئي على الديكتاتورية والفساد المستشري بالدولة ، استمرت فترة الشيشكلي ما يقارب السنة وثلاثة أشهر حيث انتهت فترة حكم الشيشكلي العسكري في 1 آذار 1951 م .