أهلاً وسهلاً

فترة الوحدة مع مصر

في هذه الفترة بالذات كان البرلمان السوري والمصري يدرسان فكرة الوحدة بين سورية ومصر على أساس عربي قومي ، وذلك بإيحاءات وتوجيه من القوى الإستعمارية لإبعاد الدين عن الدولة والسياسة والحكم بعد أن تم تقويض كل السبل إلى قيام حكم يعتمد التشريع الإسلامي أساساً للحكم والسياسة والدولة ، وبعد أن تمَّ تقرير بعض الأسس والمبادئ الدستورية على أساس الشريعة الإسلامية في الدستور السوري ، فكانت فكرة الوحدة على أساس عربي قومي والتي طرحها العلمانيون اللادينيون في مصر بقيادة ما سموه رائد القومية العربية المقبور جمال عبد الناصر ( الذي عاش حياته في حارة اليهود في القاهرة وقيل أنه ولد من أم يهودية ) وفي سورية قام بحمل هذ الفكرة العلماني شكري القوتلي وفق مؤامرة كبرى تشمل أهم قطرين عربيين في المنطقة وتم تنفيذ هذه المؤامرة الكبرى على الإسلام والمسلمين والتي طبخت في محافل العلمانية والماسونية العالمية وذلك عن طريق حكم ديكتاتوري مخابراتي قمعي فكانت أفضل الأساليب لضرب أي توجه ديني إسلامي خاصة أن الحكومة المصرية آنذاك كانت تخوض حرباً شرسة ضد حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية قي مصر آنذاك ، ولقد كنت أستغرب عندما كنت صغيرا  كيف تتم الوحدة القومية الاندماجية بين دولتيًن لا حدود بينهما ،

وبين شعبين ليس بينهما أية صلة حضارية أو تاريخية أو اجتماعية غير الدين الإسلامي ، ولكن المستعمرين الغربين الذين يتحكمون بمقدرات الشعوب العربية والإسلامية أرادوها وحدة علمانية لا دينية بل قومية عربية رغم أن مصر ليس لها تاريخ عربي قومي إلا عبر الإسلام فمنذ فجر الإسلام تحولت مصر من دولة فرعونية قبطية إلى دولة عربية إسلامية ، ولعل الملاحظ هنا أن الذين دعوا إلى فكرة الوحدة بين سورية ومصر هم علمانيون لادينيون سواء في مصر أو في سورية كان على رأسهم في سورية شكري القوتلي وفي مصر جمال عبد الناصر ، وأريد أن أشير هنا إلى أن بذور الفرقة والإنفصال كانت موجودة في كلي البلدين لبعد المسافة بين البلدين ولأن طبيعة الشعب السوري تختلف اخلافاً كبيراً عن طبيعة الشعب المصري ويحضرني في هذا المجال وقد كنت في المرحلة الإعدادية صوررة للمقبور جمال عبد الناصر على شكل راعي أغنام أمامه أربعة وعشرون غنمة تمثل الشعب المصري وقد تسلق على رأسه وكتفيه أربعة قرود تمثل الشعب السوري نشرتها إحدى المجلات السياسية اللبنانية وهذا ما يمثل الاختلاف الكبير في طبيعة الشعبين السوري والمصري ، إذ لا سبيل إلى وحدة اندماجية عضوية بين الشعبين على أسس علمانية قومية بل يمكن ذلك على أسس دينية إسلامية فقط  وهذا ماثبت فعلاً عندما حصلت مؤامرة الانفصال بعد أن استنفذت الوحدة مهمتها وأغراضها في ضرب التوجه الإسلامي في كلي البلدين . 

        في 21 شباط 1958 م أقر مجلس الشعب المصري ومجلس النواب السوري مبدأ الوحدة بين سورية ومصر بقيادة الرئيس المصري العلماني القومي آنذاك جمال عبد الناصر ، وطرحت فكرة الوحدة للاستفتاء الشعبي في كلي البلدين وفي 5 آذار 1958 م تم إعلان الدستور المؤقت لدولة الوحدة والذي يتألف من ( 73 ) مادة وكانت مواد الدستور الجديد تتسم بما يلي : 

  • **    نهاية النظام النيابي في سورية .
  • **    إقامة نظام رئاسي يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة منها : 
    •         ـ  تعيين السلطة التشريعية وأطلق عليه مجلس الأمة .
    •         ـ  حل مجلس الأمة وتعيين مجلس آخر .
    •  ـ   تعيين نواب الرئيس وإقالتهم والذي أطلق عليه مجلس نواب الرئيس .
    •         ـ   وضع السياسة العامة للدولة وإصدار القوانينى .

            وبذلك يكون الوضع الجديد يقيادة المقبور جمال عبد الناصر قد قضى وبشكل كامل على جميع المبادئ الديمقراطية والتعددية الحزبية أو السيساسية بشكل كامل ، والقضاء أيضاً على أية بذرة تمت إلى الإسلام من قريب أو بعيد . وأعلن عن فكرة جديدة وهي أن جميع المواطنين يشكلون ما يسمى الإنحاد القومي الهزلي الكرتوني .

  • **    المجتمع يقوم على التضامن الإجتماعي والعدالة الإجتماعية .
  • **    تتبنى الدولة النظام الاقتصادي المخطط والمدروس . 
  • **    إلغاء جميع الأحزاب السياسية ، وهذا درس آخر تعلمه المقبور حافظ الأسد وابنه المعتوه بشار الأسد من الطاغية جمال عبد الناصر .

        وبذلك تمضي سنوات الوحدة بين سورية ومصر بحكم ديكتاتوري عسكري مخابراتي متسلط حيث تراجعت الحريات وألغيت الأحزاب وألغيت التعددية السياسية وطغت شخصية الزعيم الأوحد جمال عبد الناصر وانتشرت فروع المخابرات لتكم أفواه الناس وتتجسس على كل أفراد الشعب ونشطت أجهزة الإعلام بشكل كبير لم يسبق له مثيل من قبل تطبل وتزمر وتنفخ في شخص الرئيس الملهم ورائد القومية العربية مما أدى إلى تراجع كبير في الحياة السياسية والديمقراطية التي وصلت إليها سورية قبل الوحدة ، والحقيقة أن المقبور حافظ الأسد قد استفاد كثيراً من طريقة حكم المقبور جمال عبد الناصر وأساليبه المخابراتية والقمعية والاستبدادية ، ويمكن أن نقول في هذا الصدد أن المقبور حافظ الأسد هو جمال عبد الناصر ولكن طبعة مزيدة ومنقحة والتنقيح دائماً يتم في مراكز الإستخبارات الإستعمارية الصليبية .

       استمرت الوحدة ما يقارب ثلاث سنوات مع بروز الفكر القومي العربي كبديل عن النظام الإسلامي بزخم قوي وباستبداد وتسلط أقوى تماماً كما حدث في تركيا على يد اليهودي الماسوني مصطفى كمال أتاتورك . وهذا ما كانت تخطط له القوى الاستعمارية الصليبية والصهيونية على حد سواء . ولقد برزت في فترة الوحدة نزعة الفكر القومي التي نادى بها المقبور جمال عبد الناصر حيث أعطى القومية العربية الصفة البديلة عن الإسلام في السياسة والتشريع ونظام الحكم وسن القوانين بل في كل مرافق الحياة مما أدى إلى حصول انقلاب عسكري في سورية أطاح بهذه الوحدة التسلطية وذلك في 28 أيلول 1961 م . 

        ومن وجهة نظري كنت أود لو استمرت الوحدة رغم كل مساوئها لأن الأنظمة تتغير وتتبدل ولكن إعادة الوحدة من جديد بين سورية ومصر هو أمر صعب المنال أو ربما مستحيل ، ولكن مشروع الوحدة على يد الديكتاتور جمال عبد الناصر لم يكن بهدف إلى الوحدة على الإطلاق وإنما بهدف إلى التسلط والدكتاتورية أولاً ثم الهدف البعيد الذي كان يخطط له الإستعمار وهو القضاء على الفكر الإسلامي الذي بدأ يتنامى ويظهر بظهور فكرة الإخوان المسلمين كحركة إسلامية عالمية متقدمة واعدة وما إن تحقق للمستعمرين ما أرادوا من هذه الوحدة حتى أوعزوا لعملائهم أيضاً في سورية بالقيام بانقلاب عسكري فصل القطر السوري عن الجمهورية العربية المتحدة ، علماً أن المقبور جمال عبد الناصر لم يدافع عن هذه الوحدة بأي شكل من الأشكال عند قيام الإنقلاب في سورية رغم امتلاك مصر أكبر قوة عسكرية ضاربة في منطقة الشرق الأوسط آنذاك مما يدل على أن القوى الإستعمارية خططت للوحدة أبلغت حليفها المقبور جمال عبد الناصر أن الهدف من هذه الوحدة قد تحقق وأن مرحلة الإنفصال قد آذنت مما أوجب عليه الوقوف صامتاً لا يحرك ساكناً أمام جريمة الإنفصال . 

           ومع نهاية الوحدة انتهت مرحلة دستورية تعسفية عقيمة أدت إلى التراجع والتخلف وتكريس الفكر القومي والعلماني اللاديني وتكريس الفساد والإنحلال والتفرنج في أوساط الدولتين العربيتين الشقيقتين سورية ومصر وبعدها بدأت مرحلة دستورية جديدة فيما يسمى بدستور عهد الانفصال .