أهلاً وسهلاً

الدستور السوري في فترة الإنفصال

         ادعى قادة حركة الإنفصال في سورية أن حركة الإنفصال في سورية كانت كرد فعل على الممارسات الديكتاتورية التعسفية التسلطية التي مارسها حكم المقبور الديكتاتور جمال عبد الناصر والتي تميزت بسحق الشعبين السوري والمصري على حد سواء وتميزت أيضاً بالممارسات المخابراتية القمعية التي تعد على الناس انفاسهم ، وأذكر أنني سافرت إلى مدينة دمشق في فترة الوحدة وكان معي بعض الأقارب من دمشق وعندما مررنا في أحد الشوارع على منطقة مليئة بالحراس وعناصر الجيش والشرطة فقالوا لي آنذاك أسرع ولا تتكلم هنا يسكن المشير عامر ، ومررنا على منطقة أخرى فيها الطريق مغلق ومحاط بالجيش والشرطة والحرس ، فقالوا لي أسرع ولا تتكلم هنا قيادة المكتب الثاني ( أي المخابرات ) والتي كان يرأسها في سورية عبد الحميد السراج ، وكان الناس يعيشون حالة من التوجس والرعب والذعر ، وكانت العبارات التي تخدش آذاننا آنذاك : ( لا تتكلم الحيطان لها آذان ) ( اجعل أذن من طين وأذن من عجين حتى تعيش ) وغير ذلك من العبارات ، ولعل من أبشع الممارسات التهديد بالقتل والتعذيب والشنق والرمي بالرصاص حتى وصل الأمر إلى قتل أحد المواطنين المسيحيين في عهد عبد الحميد السراج ثم أذابوا حثته بالأسيد كما كان يروى أمامي من الرجال الكبار أي أن الأجواء في عهد الوحدة كانت أجواء رعب وإرهاب ( وهذا درس آخر استفاد منه المقبور حافظ الأسد أيما استفادة تبعه ابنه المعتوه بشار ، المهم أن الإنفصال قد تم بنجاح بقيادة عبد الكريم النحلاوي رغم اعنراض عدد من القطعات العسكرية في شمال سورية مثل حركة جاسم علوان في حلب وغيرها إلا أن الإنفصال قد تم وترابطت حلقاته وأبعد عناصر الجيش والأمن المصري ليعودوا إلى مصر خلال فترة وجيزة والغريب في الأمر أن جمال عبد الناصر بجيشه الذي يعادل عشرة أضعاف إلى عشرين ضعف الجيش السوري لم يحرك ساكناً وكأنما أمر الإنفصال كان متفق عليه بين المقبور جمال عبد الناصر والإنقلابيين بإيعاز من القوى العالمية الإستعمارية المتحكمة بكلي الطرفين .

         لقد انفصلت سورية عن الجمهورية العربية المتحدة وتكرس الإنفصال بقطيعة فصمت عرى المودة والقربي وتم الأمر كما أراد أعداء العروبة والإسلام ، وبعد الإنفصال كانت هناك بداية حراك سياسي حديد ونشط  ، فقد قام الإنقلابيون بالسماح للأحزاب السياسية وجاؤوا بحكومة مدنية قامت بوضع دستور مؤقت للبلاد ، وتم طرح هذا الدستور للإستفتاء الشعبي في كانون الأول 1961 م وهو نفس الدستور الذي وضع سابقاً من قبل المجلس النيابي قبل الوحدة مع بعض التعديلات الدستورية وتم انتخاب مجلس تأسيسي ومجلس نيابي وكان من مهمة المجلس التأسيسي وضع دستور دائم للبلاد وتم انتخاب الدكتور ناظم القدسي رئيساً للجمهورية والذي ينتمي لحزبنا حزب الشعب ، وقام المجلس التأسيسي بإقرار دستور عام 1950 م مع بعض التعديلات كان من أهمها :

  • **     تم تعديل اسم الدولة من الجمهورية السورية إلى الجمهورية العربية السورية .
  • **     منح رئيس الجمهورية صلاحية حل المجلس النيابي .
  • **    منح السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء المنعقد أولاً برئاسة رئيس الجمهورية صلاحية إصدار مراسيم تشريعية .

        وبذلك عادت إلى الدستور السوري هويته العربية والإسلامية من جديد بعد المحاولات الحثيثة لطمس هذه الهوية ، وكانت فترة الإنفصال تعد من أفضل الفترات التي مرت على الوطن السوري من ناحية الحريات السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وكانت هناك حركة اقتصادية نشطة تقدم فيها الاقتصاد السوري بشكل ممتاز حيث أصبح من أفضل الإقتصاديات في المنطقة بسبب الحريات التي منحب للشعب . ولكن هذا التقدم ربما لا يروق لأعداء العروبة والإسلام ولا يروق لأسيادهم من القوى الإستعمارية فلم يتثنى للحكم في سورية في تلك الفترة الاستمرار إلا ثمانية عشر شهراً تخللها صراعات شديدة على السلطة من قبل التيارات السياسية المختلفة وقد ترأس الوزارة في حقبة الانفصال ( الدكتور معروف الدواليبي ـ الدكتور بشير العظمة ـ خالد العظم ) وفي هذه الفترة تنفس الشعب السوري نسيم الحرية وتحسن الاقتصاد إلى درجة لافتة للنظر وانتشرت الصناعات الحديثة المتطورة في مجالات متعددة حتى جاء انقلاب الثامن من آذار المشؤوم ، فسلب البسمة من وجوه أبناء الشعب السوري حتى هذه اللحظة ، فعاش الناس في ظل حكم عسكري استبدادي طائفي عنصري بغيض لم تعرف البلدان العربية أو الإسلامية أسوأ منه ، ولكن قبل الحديث عن انقلاب الثامن من آذار عام 1963 م ، لا بد أن نذكر عملية انقلاب سبقت هذا الإنقلاب المشؤوم وربما مهدت له ففي 28 آذار 1962 م قام عبد الكريم النحلاوي بحركة انقلابية بسبب عدد من القوانين والتشريعات التي أقرها المجلس النيابي تتعارض مع المبادئ الإشتراكية التي كانت سائدة أيام حكم جمال عبد الناصر والتي تأثر بها طيف غير قليل من العلمانيين وانخدعوا بالدعاية الإعلامية المركزة التي قام بها إعلاميوا عبد الناصر حتى أن بعض الكتاب الإسلاميين تأثروا بهذه الموجة الطاغية أذكر على سبيل المثال كتاب ( الإشتراكية فقط ) لمؤلف من من حمص من عائلة الوفائي ، وكتاب ( إشتراكية الإسلام ) للدكتور مصطفى السباعي وغيرها كثير من الكتب عن الإشتراكية التي كانت الهاجس في تلك الفترة من التاريخ وعلى الرغم من أن كتاب الدكتور السباعي كان نقداً شديداً للإشتراكيات الموجودة آنذاك وإظهار أن مبادئ الإسلام هي أسمى وأفضل من كل المبادئ الإشتراكية إلا أن الإشتراكيين استغلوا اسم الكتاب ( إشتراكية الإسلام ) استغلالاً بشعاً وأخذوا يروجون لإسم هذا الكتاب فقط رغم أنهم لا يؤمنون بالأفكار التي يحتويها هذا الكتاب ومهما يكن من أمر فقد أخطأ الدكتور السباعي في هذا الكتاب خطأً جسيماً في نسبة الإسلام إلى النظم اللادينية الملحدة الكافرة إضافة إلى عدد من الأخطاء الأخرى داخل الكتاب مما دفع الشيخ محمد الحامد رحمه الله إلى إصدار كتاب ينقد هذا الكتاب أسماه ( نظرات في إشتراكية الإسلام ) رغم الود والمحبة بين الشيخ محمد الحامد والدكتور السباعي رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة ، بالطبع لم يعاد طبع كتاب إشتراكية الإسلام بقرار من السباعي نفسه ، نعود إلى المجلس النيابي السوري ، فبعد إصدار هذه القوانين التي تقيد النظم الإشتراكية بل تمنعها خاصة في المجال الزراعي والصناعي والاقتصادي بشكل عام ، لذلك قام عبد الكريم النحلاوي باانقلاب عسكري فأمسك بمقاليد الأمور في سورية فحل المجلس النيابي وعطل العمل بالدستور وأعاد البلاد إلى الوضع الاستبدادي من جديد ، وكان النحلاوي يصرح بأن حركته الإنقلابية هي للدفاع عن القوانين الإشتراكية التي تم وضعها والعمل بها في عهد الوحدة ولكن الهدف الحقيقي هو إبعاد أي توجه إسلامي أو أي إشارة إلى الإسلام في الدستور وذلك تحقيقاً لمآرب من يوجه ويدعم الانقلابات العسكرية من القوى الإستعمارية العالمية في جميع دول العالم الثالث .