أهلاً وسهلاً

الدستور السوري في فترة الإنفصال

 

         رغم أن الطغمة الإنقلابية البعثية عطلت الدستور وأوقفت العمل بالقوانين التي كانت سارية المفعول في عهد الإنفصال إلا أن الأوضاع السيئة التي عصفت بالبلاد والتخبط الشديد من قبل الحكام الجدد في تسيير أمور الدولة لعدم تمكنهم بشكل علمي كافٍ من التخطيط والتنفيذ لشؤون الدولة لأنهم عسكريون لا يفقهون بمواضيع الحكم والسياسة والإدارة أي شيء أضف إلى ذلك الصراعات الداخلية بين الإنقلابيين أنفسهم والصراعات بين الإنقلابيين وبقية أفراد الشعب والتي أدت إلى إضطرابات في العديد من القطاعات الحكومية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك أحداث مدينة حماة الدموية عام 1964 م التي قام بها التنظيم المسلح للإخوان المسلمين بقيادة الشهيد الشيخ مروان حديد رحمه الله والتي قمعها النظام بكل وحشية وعنف بقيادة القائد العام للجيش والقوات المسلحة ووزير الداخلية والحاكم العرفي آنذاك ( أمين الحافظ الذي أصبح رئيساً للجمهورية فيما بعد ) ، وأنا أذكر كيف تم قصف المساجد والأبنية السكنية وقتل المواطنين ودكُّ المدينة بمن فيها بالمدفعية والصواريخ حتى وصل عدد القتلى والجرحى من أبناء حماة الصابرة إلى أكثر من مئة ألف مواطن ليس لهم أي ذنب سوى أنهم مواطنون مسالمون لم ينحازوا إلى الإنقلابيين في إجرامهم واستبدادهم ، وتميزت عمليات القمع بوحشية مفرطة مما اضطر الإنقلابيين تحت هذه الضغوط وهذه الاضطرابات إلى التفكير بوضع دستور مؤقت للبلاد .

        تم وضع دستور مؤقت مختصر للبلاد بالتعاون مع بعض الحقوقيين البعثيين تم إقراره من القيادة القطرية لحزب البعث الذي أصبح اسمه ( حزب البعث العربي الإشتراكي ) دون استفتاء شعبي على الدستور كما هي العادة في إقرار دساتير الدول وكان من أهم ما تضمنه الدستور المؤقت لعام 1964 م في سورية ما يلي : 

 

  • **    إلغاء مفهوم المجلس النيابي بشكل كامل .
  • **    تغيير خصائص وسمات الحكم في سورية باعتبار المجلس الوطني لقيادة الثورة بدلاً عن البرلمان أو المجلس النيابي المنتخب من الشعب أيام الإنفصال .
  • **    إعطاء المجلس الوطني لقيادة الثورة السلطات والصلاحيات التشريعية في البلاد ، رغم أن هذا الأمر مخالف وبشكل مسف لللأسس النظرية لحزب البعث العربي الإشتراكي حيث تنص المادة ( 14 ) من هذه الأسس : ( نظام الحكم في الدولة العربية السورية هو نظام نيابي دستوري ، والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية التي تنتخب من الشعب مباشرة .
  • **    إقرار مبدأ الحزب السياسي الواحد في الدولة وهو حزب البعث العربي الإشتراكي وإعطائه صفة القيادة للشعب السوري حيث أطلق عليه ( الحزب القائد ) .
  • **    تكريس مبدأ القيادة الجماعية وهي قيادة الحزب القائد للدولة والمجتمع .
  • **    تكريس فكرة شمولية الحزب لكل الدول العربية وذلك بوضع مقهوم القيادة القطرية للقطر الواحد والقيادة القومية للدول العربية كلها .
  • **   تركيز السلطة السياسية بيد حزب البعث العربي الإشتراكي لوضع السياسات الداخلية والخارجية للوطن السوري .
  • **    تركيز السلطة التشريعية بيد حزب البعث العربي الإشتراكي عن طريق المجلس الوطني لقيادة الثورة .
  • **    تركيز السلطات التنفيذية بيد حزب البعث العربي الإشتراكي عن طريق ما يسمى بمجلس الرئاسة الذي ينتخب من المجلس الوطني لقيادة الثورة لممارسة السلطة التنفيذية فيعين الوزراء ويقيلهم ويوجههم ويشرف على عملهم وله الحق في تعديل وإلغاء قراراتهم ، أي أن مجلس الوزراء أصبح شكلاً بدون أي صلاحيات تذكر وأصبح أي وزير في الوزارة لا يأمن على نفسه أن يستمر في الوزارة يوماً واحداً لأن المجلس الرئاسي له صلاحيات عزل أي وزير بل إسقاط الوزارة كلها .

 

          والحقيقة أن دستور عام 1964 م المؤقت لم يكن دستوراً بمعنى الكلمة ولكنه تكريس لسلطة الإنقلابيين وإعطائهم شيئاً من الشرعية الدستورية التي افتقدوها ، وأيضاً تكريس سلطة حزب البعث العربي الإشتراكي الذي أصبح العلويون يشكلون العنصر الأساسي فيه إضافة إلى بعض المغفلين من الأقليات الشيعية والإسماعيلية والكردية وبعض القرويين المهمشين سابقاً والذين وجدوا في الحزب شيئاً من رد الاعتبار لهم ووجد فيهم العلويون رصيداً شعبياً يستغلونهم وقت الحاجة ووقت الأزمات ، كما نجد الآن في شبيحة النظام الذين يقتلون وينهبون ويسرقون باسم الحزب خدمة للمجرمين من البعثيين العلويين .