أهلاً وسهلاً

الدستور السوري في فترة الإنفصال

         ادعى قادة حركة الإنفصال في سورية أن حركة الإنفصال في سورية كانت كرد فعل على الممارسات الديكتاتورية التعسفية التسلطية التي مارسها حكم المقبور الديكتاتور جمال عبد الناصر والتي تميزت بسحق الشعبين السوري والمصري على حد سواء وتميزت أيضاً بالممارسات المخابراتية القمعية التي تعد على الناس انفاسهم ، وأذكر أنني سافرت إلى مدينة دمشق في فترة الوحدة وكان معي بعض الأقارب من دمشق وعندما مررنا في أحد الشوارع على منطقة مليئة بالحراس وعناصر الجيش والشرطة فقالوا لي آنذاك أسرع ولا تتكلم هنا يسكن المشير عامر ، ومررنا على منطقة أخرى فيها الطريق مغلق ومحاط بالجيش والشرطة والحرس ، فقالوا لي أسرع ولا تتكلم هنا قيادة المكتب الثاني ( أي المخابرات ) والتي كان يرأسها في سورية عبد الحميد السراج ، وكان الناس يعيشون حالة من التوجس والرعب والذعر ، وكانت العبارات التي تخدش آذاننا آنذاك : ( لا تتكلم الحيطان لها آذان ) ( اجعل أذن من طين وأذن من عجين حتى تعيش ) وغير ذلك من العبارات ، ولعل من أبشع الممارسات التهديد بالقتل والتعذيب والشنق والرمي بالرصاص حتى وصل الأمر إلى قتل أحد المواطنين المسيحيين في عهد عبد الحميد السراج ثم أذابوا حثته بالأسيد كما كان يروى أمامي من الرجال الكبار أي أن الأجواء في عهد الوحدة كانت أجواء رعب وإرهاب ( وهذا درس آخر استفاد منه المقبور حافظ الأسد أيما استفادة تبعه ابنه المعتوه بشار ، المهم أن الإنفصال قد تم بنجاح بقيادة عبد الكريم النحلاوي رغم اعنراض عدد من القطعات العسكرية في شمال سورية مثل حركة جاسم علوان في حلب وغيرها إلا أن الإنفصال قد تم وترابطت حلقاته وأبعد عناصر الجيش والأمن المصري ليعودوا إلى مصر خلال فترة وجيزة والغريب في الأمر أن جمال عبد الناصر بجيشه الذي يعادل عشرة أضعاف إلى عشرين ضعف الجيش السوري لم يحرك ساكناً وكأنما أمر الإنفصال كان متفق عليه بين المقبور جمال عبد الناصر والإنقلابيين بإيعاز من القوى العالمية الإستعمارية المتحكمة بكلي الطرفين .

         لقد انفصلت سورية عن الجمهورية العربية المتحدة وتكرس الإنفصال بقطيعة فصمت عرى المودة والقربي وتم الأمر كما أراد أعداء العروبة والإسلام ، وبعد الإنفصال كانت هناك بداية حراك سياسي حديد ونشط  ، فقد قام الإنقلابيون بالسماح للأحزاب السياسية وجاؤوا بحكومة مدنية قامت بوضع دستور مؤقت للبلاد ، وتم طرح هذا الدستور للإستفتاء الشعبي في كانون الأول 1961 م وهو نفس الدستور الذي وضع سابقاً من قبل المجلس النيابي قبل الوحدة مع بعض التعديلات الدستورية وتم انتخاب مجلس تأسيسي ومجلس نيابي وكان من مهمة المجلس التأسيسي وضع دستور دائم للبلاد وتم انتخاب الدكتور ناظم القدسي رئيساً للجمهورية والذي ينتمي لحزبنا حزب الشعب ، وقام المجلس التأسيسي بإقرار دستور عام 1950 م مع بعض التعديلات كان من أهمها :

  • **     تم تعديل اسم الدولة من الجمهورية السورية إلى الجمهورية العربية السورية .
  • **     منح رئيس الجمهورية صلاحية حل المجلس النيابي .
  • **    منح السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء المنعقد أولاً برئاسة رئيس الجمهورية صلاحية إصدار مراسيم تشريعية .

        وبذلك عادت إلى الدستور السوري هويته العربية والإسلامية من جديد بعد المحاولات الحثيثة لطمس هذه الهوية ، وكانت فترة الإنفصال تعد من أفضل الفترات التي مرت على الوطن السوري من ناحية الحريات السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وكانت هناك حركة اقتصادية نشطة تقدم فيها الاقتصاد السوري بشكل ممتاز حيث أصبح من أفضل الإقتصاديات في المنطقة بسبب الحريات التي منحب للشعب . ولكن هذا التقدم ربما لا يروق لأعداء العروبة والإسلام ولا يروق لأسيادهم من القوى الإستعمارية فلم يتثنى للحكم في سورية في تلك الفترة الاستمرار إلا ثمانية عشر شهراً تخللها صراعات شديدة على السلطة من قبل التيارات السياسية المختلفة وقد ترأس الوزارة في حقبة الانفصال ( الدكتور معروف الدواليبي ـ الدكتور بشير العظمة ـ خالد العظم ) وفي هذه الفترة تنفس الشعب السوري نسيم الحرية وتحسن الاقتصاد إلى درجة لافتة للنظر وانتشرت الصناعات الحديثة المتطورة في مجالات متعددة حتى جاء انقلاب الثامن من آذار المشؤوم ، فسلب البسمة من وجوه أبناء الشعب السوري حتى هذه اللحظة ، فعاش الناس في ظل حكم عسكري استبدادي طائفي عنصري بغيض لم تعرف البلدان العربية أو الإسلامية أسوأ منه ، ولكن قبل الحديث عن انقلاب الثامن من آذار عام 1963 م ، لا بد أن نذكر عملية انقلاب سبقت هذا الإنقلاب المشؤوم وربما مهدت له ففي 28 آذار 1962 م قام عبد الكريم النحلاوي بحركة انقلابية بسبب عدد من القوانين والتشريعات التي أقرها المجلس النيابي تتعارض مع المبادئ الإشتراكية التي كانت سائدة أيام حكم جمال عبد الناصر والتي تأثر بها طيف غير قليل من العلمانيين وانخدعوا بالدعاية الإعلامية المركزة التي قام بها إعلاميوا عبد الناصر حتى أن بعض الكتاب الإسلاميين تأثروا بهذه الموجة الطاغية أذكر على سبيل المثال كتاب ( الإشتراكية فقط ) لمؤلف من من حمص من عائلة الوفائي ، وكتاب ( إشتراكية الإسلام ) للدكتور مصطفى السباعي وغيرها كثير من الكتب عن الإشتراكية التي كانت الهاجس في تلك الفترة من التاريخ وعلى الرغم من أن كتاب الدكتور السباعي كان نقداً شديداً للإشتراكيات الموجودة آنذاك وإظهار أن مبادئ الإسلام هي أسمى وأفضل من كل المبادئ الإشتراكية إلا أن الإشتراكيين استغلوا اسم الكتاب ( إشتراكية الإسلام ) استغلالاً بشعاً وأخذوا يروجون لإسم هذا الكتاب فقط رغم أنهم لا يؤمنون بالأفكار التي يحتويها هذا الكتاب ومهما يكن من أمر فقد أخطأ الدكتور السباعي في هذا الكتاب خطأً جسيماً في نسبة الإسلام إلى النظم اللادينية الملحدة الكافرة إضافة إلى عدد من الأخطاء الأخرى داخل الكتاب مما دفع الشيخ محمد الحامد رحمه الله إلى إصدار كتاب ينقد هذا الكتاب أسماه ( نظرات في إشتراكية الإسلام ) رغم الود والمحبة بين الشيخ محمد الحامد والدكتور السباعي رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة ، بالطبع لم يعاد طبع كتاب إشتراكية الإسلام بقرار من السباعي نفسه ، نعود إلى المجلس النيابي السوري ، فبعد إصدار هذه القوانين التي تقيد النظم الإشتراكية بل تمنعها خاصة في المجال الزراعي والصناعي والاقتصادي بشكل عام ، لذلك قام عبد الكريم النحلاوي باانقلاب عسكري فأمسك بمقاليد الأمور في سورية فحل المجلس النيابي وعطل العمل بالدستور وأعاد البلاد إلى الوضع الاستبدادي من جديد ، وكان النحلاوي يصرح بأن حركته الإنقلابية هي للدفاع عن القوانين الإشتراكية التي تم وضعها والعمل بها في عهد الوحدة ولكن الهدف الحقيقي هو إبعاد أي توجه إسلامي أو أي إشارة إلى الإسلام في الدستور وذلك تحقيقاً لمآرب من يوجه ويدعم الانقلابات العسكرية من القوى الإستعمارية العالمية في جميع دول العالم الثالث .


 

         كانت مؤامرة ما يسمى بثورة الثامن من آذار تحاك في الخفاء في دول الغرب الأوربية الصليبية ، حيث تمت الاجتماعات لإنشاء حزب البعث في دول أوربية ، وتم الإيعاز للضباط الصغار في الجيش السوري للالتحاق في صفوف حزب البعث الذي تم بناؤه على أسس قومية علمانية لادينية وكان من أبرز الشخصيات المؤسسة لحزب البعث صلاح الدين البيطار ( سني ) وزكي الأرسوزي ( علوي ) ، ميشيل عفلق نصراني ، وكانت فرنسا قد وجهت ورعت أولى الاجتماعات التي أسفرت عن تأسيس حزب البعث على أسس علمانية قومية لادينية ، وكان الهدف الأول للدول الاستعمارية الصليبية في توجيه ودعم مثل هذه الأحزاب العلمانية الكافرة هو القضاء على أية بذرة تعيد الإسلام إلى واقع الأمة الإسلامية وإلى واقع الحياة السياسية والاجتماعية ، لأنهم لا يمكن أن ينسوا أن المسلمين أقاموا حضارة إسلامية عالمية إنسانية كادت أن تمحو حضارة الصليبيين ، وهذه الحضارة تكررت مرات عديدة في المدينة المنورة أولاً ، ثم في بلاد الشام ، ثم قي بلاد فارس والعراق ، ثم في بلاد السند والهند ومشارف الصين ، ثم في الجمهوريات القريبة من روسيا ، ثم في قلب أوربا في صقلية وبلاد الأندلس ، ثم في بلاد الترك حيث امتدت الإمبراطورية العثمانية إلى معظم دول أوربا ، فهذا الأمر لا يمكن أن ينساه الصليبيون بل إنهم يتابعون أية بادرة لترسيخ قيم الإسلام القويم في أية بقعة من العالم ولا أدل على ذلك من قول القس زويمر في أحد المحافل الكنسية العالمية منذ مئات السنين يقول : ( أغرقوا منطقة الشرق بالبضائع المصنعة ولا تسمحوا لأي صناعة قوية أن تقوم فيه لأن قيام صناعة قوية فيه سيؤدي إلى استيقاظ العملاق الإسلامي النائم ) ونحن نلاخظ أن كل مخططات الغرب الصليبي والصهيوني تنطلق من هذه القاعدة التي وضعها القس زويمر . 

         في ليلة 8 آذار 1963 م وقع الانقلاب العسكري البعثي المجرم تكريساً للعلمانية اللادينية كما أراد وخطط لهم الأسياد في الشرق أو الغرب وذلك بعد تشكيل ما سمي آنذاك مجلس قيادة الثورة الذي اتسم بالطابع العسكري التسلطي الديكتاتوري ، وبذلك يكون قد بدأ عهد جديد من الديكتاتورية والتسلط والاستبداد وتم تعطيل الدستور مرة أخرى لأن العسكر في أية بقعة في العالم لايحبون القوانين والدساتير التي تقيد سلطاتهم وديكتاتوريتهم ، العسكر لايحلوا لهم إلا أن يصدروا الأوامر التي يرونها سواء كانت صحيحة أو فاسدة أو ربما مدمرة للوطن وعلى الشعب بكل أطيافه تنفيذ هذه الأوامر ، تم تعطيل الدستور تعطيلاً كاملاً والإطاحة بحكومة الإنفصال من المثقفين والمختصين والحائزين على الشهادات العالية وأصبحت السلطة بيد بيد ماسمي المجلس الوطني لقيادة الثورة والذي يضم عدد من الضباط الذين لايفقهون في أمور السياسة ونظام الحكم أي شيء ، لقد قام المجلس الوطني لقيادة الثورة أول تسلمه للسلطة بإلغاء الدستور وإيقاف العمل به وإعلان حالة الطوارئ وتطبيق الأحكام العرفية والأحكام والقوانين العسكرية التعسفية وبذلك تم القضاء على الحكم الدستوري في سورية قضاءً مبرماً ، وبهذا الإنقلاب تغيرت السمة الرئيسية للتشريع في سورية فأصبح بيد الطغمة الحاكمة التي كانت تسمى مجلس قيادة الثورة ثم القيادة القطرية لحزب البعث .

          شهدت هذه المرحلة صراعات مريرة بين الكتل السياسية وتم فكُّ الارتباط بين البعثيين والناصريين والمستقلين ، بعدها تم استئثار البعثيين بالسلطة ، وتم طرح العديد من القوانين والمبادئ والتشريعات التي كان لها دور فعال في الحياة السياسية والاجتماعية والافتصادية في سورية ، بعدها تم طرح مبادئ البناء الثوري وفق نظرية الحزب الواحد حزب البعث القومي الاشتراكي وبهذا الانعطاف الخطير انعكست توجهات السلطة الحاكمة على القوانين والدساتير والتشريعات في سورية والانتقال الحاد بها من مفهوم الدولة الدستورية الحديثة الذي يعتمد على النموذج الغربي للديمقراطية العلمانية إلى ما هو أنكى وأمر وأسوأ وهو النظم الاشتراكية المستوردة من الشرق والغرب وبرزت في هذه المرحلة نظرة آيديولوجية جديدة للبعث ما كانت ضمن القواعد والأسس التي بني عليها حزب البعث الذي بدأ تشكيله في بلاد الغرب الصليبية الاستعمارية ألا وهي وجوب وضع خطة ثورية لتغيير آيديولوجية الشعب والمجتمع تماماً كما هو معمول به في كوريا الشمالية وكوبا وهنا برزت خلافات بين القيادات الثورية مثل القيادة القطرية لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة أدت إلى تثبيت أحد أجنحة حزب البعث على بقية الأجنحة بشكل قوي مدعوم من الجيش والأمن والمخابرات المتعددة والمتنوعة مما أدى إلى استمرار حزب البعث في سورية .

         وهنا أريد أن أنوه إلى أن حزب البعث الذي تأسس في بلاد الغرب كان اسمه ( حزب البعث ) وكان هناك حزب آخر اسمه ( حزب العربي الإشتراكي ) فقام مجلس قيادة الثورة البعثي باستغلال الناصريين أولاً ثم باستغلال ( حزب العربي الاشتراكي ) بقيادة أكرم الحوراني حيث تم دمج الحزبين تحت حزب واحد أطلق عليه ( حزب البعث العربي الإشتراكي ) ، ثم بعد ذلك تمت تصفية الناصريين بمختلف أقسامهم ، وتصفية جماعة أكرم الحوراني ثم تصفية الدروز بقيادة سليم حاطوم ثم تصفية الإسماعيليين بقيادة الجندي وأخيراً تصفية القيادات العسكرية من السنة بقيادة أمين الحافظ وحكمت الشهابي ومصطفى طلاس ، والقيادات المدنية من السنة بقيادة صلاح البيطار حتى بقي الحكم في سورية بيد طغمة من الضباط العلويين النصيرين ، ثم تم تصفية عدد من القيادات العلوية التي رفضت التحول الطائفي الخطير على مستقبل سورية أولاً وعلى مستقبل الطائفة العلوية النصيرية ثانياً أمثال علي حيدر وعلي دوبا وعلى أصلان وصلاح جديد ومحمد عمران لصالح طغمة علوية من عائلة وأقارب الأسد بقيادة المقبور حافظ الأسد ، والحقيقة أن العلويين ركبوا كل التيارات السياسية الموجودة في سورية للوصول إلى مآربهم في حكم سورية والسيطرة على جميع مفاصل الدولة ولكن هل يستمر هذا التسلط لعائلة الأسد إلى الأبد ؟!!. طبعاً أحداث التاريخ تقول أن دوام الحال من المحال ..         


 

         رغم أن الطغمة الإنقلابية البعثية عطلت الدستور وأوقفت العمل بالقوانين التي كانت سارية المفعول في عهد الإنفصال إلا أن الأوضاع السيئة التي عصفت بالبلاد والتخبط الشديد من قبل الحكام الجدد في تسيير أمور الدولة لعدم تمكنهم بشكل علمي كافٍ من التخطيط والتنفيذ لشؤون الدولة لأنهم عسكريون لا يفقهون بمواضيع الحكم والسياسة والإدارة أي شيء أضف إلى ذلك الصراعات الداخلية بين الإنقلابيين أنفسهم والصراعات بين الإنقلابيين وبقية أفراد الشعب والتي أدت إلى إضطرابات في العديد من القطاعات الحكومية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك أحداث مدينة حماة الدموية عام 1964 م التي قام بها التنظيم المسلح للإخوان المسلمين بقيادة الشهيد الشيخ مروان حديد رحمه الله والتي قمعها النظام بكل وحشية وعنف بقيادة القائد العام للجيش والقوات المسلحة ووزير الداخلية والحاكم العرفي آنذاك ( أمين الحافظ الذي أصبح رئيساً للجمهورية فيما بعد ) ، وأنا أذكر كيف تم قصف المساجد والأبنية السكنية وقتل المواطنين ودكُّ المدينة بمن فيها بالمدفعية والصواريخ حتى وصل عدد القتلى والجرحى من أبناء حماة الصابرة إلى أكثر من مئة ألف مواطن ليس لهم أي ذنب سوى أنهم مواطنون مسالمون لم ينحازوا إلى الإنقلابيين في إجرامهم واستبدادهم ، وتميزت عمليات القمع بوحشية مفرطة مما اضطر الإنقلابيين تحت هذه الضغوط وهذه الاضطرابات إلى التفكير بوضع دستور مؤقت للبلاد .

        تم وضع دستور مؤقت مختصر للبلاد بالتعاون مع بعض الحقوقيين البعثيين تم إقراره من القيادة القطرية لحزب البعث الذي أصبح اسمه ( حزب البعث العربي الإشتراكي ) دون استفتاء شعبي على الدستور كما هي العادة في إقرار دساتير الدول وكان من أهم ما تضمنه الدستور المؤقت لعام 1964 م في سورية ما يلي : 

 

  • **    إلغاء مفهوم المجلس النيابي بشكل كامل .
  • **    تغيير خصائص وسمات الحكم في سورية باعتبار المجلس الوطني لقيادة الثورة بدلاً عن البرلمان أو المجلس النيابي المنتخب من الشعب أيام الإنفصال .
  • **    إعطاء المجلس الوطني لقيادة الثورة السلطات والصلاحيات التشريعية في البلاد ، رغم أن هذا الأمر مخالف وبشكل مسف لللأسس النظرية لحزب البعث العربي الإشتراكي حيث تنص المادة ( 14 ) من هذه الأسس : ( نظام الحكم في الدولة العربية السورية هو نظام نيابي دستوري ، والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية التي تنتخب من الشعب مباشرة .
  • **    إقرار مبدأ الحزب السياسي الواحد في الدولة وهو حزب البعث العربي الإشتراكي وإعطائه صفة القيادة للشعب السوري حيث أطلق عليه ( الحزب القائد ) .
  • **    تكريس مبدأ القيادة الجماعية وهي قيادة الحزب القائد للدولة والمجتمع .
  • **    تكريس فكرة شمولية الحزب لكل الدول العربية وذلك بوضع مقهوم القيادة القطرية للقطر الواحد والقيادة القومية للدول العربية كلها .
  • **   تركيز السلطة السياسية بيد حزب البعث العربي الإشتراكي لوضع السياسات الداخلية والخارجية للوطن السوري .
  • **    تركيز السلطة التشريعية بيد حزب البعث العربي الإشتراكي عن طريق المجلس الوطني لقيادة الثورة .
  • **    تركيز السلطات التنفيذية بيد حزب البعث العربي الإشتراكي عن طريق ما يسمى بمجلس الرئاسة الذي ينتخب من المجلس الوطني لقيادة الثورة لممارسة السلطة التنفيذية فيعين الوزراء ويقيلهم ويوجههم ويشرف على عملهم وله الحق في تعديل وإلغاء قراراتهم ، أي أن مجلس الوزراء أصبح شكلاً بدون أي صلاحيات تذكر وأصبح أي وزير في الوزارة لا يأمن على نفسه أن يستمر في الوزارة يوماً واحداً لأن المجلس الرئاسي له صلاحيات عزل أي وزير بل إسقاط الوزارة كلها .

 

          والحقيقة أن دستور عام 1964 م المؤقت لم يكن دستوراً بمعنى الكلمة ولكنه تكريس لسلطة الإنقلابيين وإعطائهم شيئاً من الشرعية الدستورية التي افتقدوها ، وأيضاً تكريس سلطة حزب البعث العربي الإشتراكي الذي أصبح العلويون يشكلون العنصر الأساسي فيه إضافة إلى بعض المغفلين من الأقليات الشيعية والإسماعيلية والكردية وبعض القرويين المهمشين سابقاً والذين وجدوا في الحزب شيئاً من رد الاعتبار لهم ووجد فيهم العلويون رصيداً شعبياً يستغلونهم وقت الحاجة ووقت الأزمات ، كما نجد الآن في شبيحة النظام الذين يقتلون وينهبون ويسرقون باسم الحزب خدمة للمجرمين من البعثيين العلويين .


 

         وفي هذه الفنرة بالذات بدأت ملامح الحكم الطائفي العلوي النصيري تظهر أمام أعين الناس حيث توزعت السلطات في سورية على طغمة من الديكتاتوريين العلويين النصيريين حيث صعد الرائد حافظ الأسد ( علوي ) إلى القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي وتم ترفيعه إلى رتبة لواء طيار وأنيطت به وزارة الدفاع ، وصعد صلاح جديد ( علوي ) إلى القيادة القومية وتم ترفيعه إلى رتبة لواء أيضاً ، وتفرغ اللواء محمد عمران ( علوي ) ليكون الحاكم المطلق لسورية من وراء رئيس الجمهورية آنذاك أمين الحافظ ( سني ) الذي أصبح رئيساً للجمهورية ، وبدأت عملية التغيير الطائفي في الجيش السوري حيث تم تعيين علي أصلان ( علوي ) رئيساً لشؤون الضباط ، وكان حافظ أسد بالإتفاق مع علي أصلان يعد في كل شهر قائمة تضم أسماء مئات الضباط لرفعها إلى رئيس الجمهورية آنذاك أمين الحافظ لتسريحهم من الجيش بحجة أنهم معادون للثورة أو أنهم رجعيون أو إقطاعيون أو غير ذلك من الأعذار ، وكانت هذه القوائم جلها من السنة مع عدد قليل جداً من المسيحيين أو الإسماعيليين أو الدروز وبدأت دورات الضباط الجدد تضم أشخاصاً من العلويين فقط حتى أن النقيب إبراهيم اليوسف الذي كان يعمل بمدرسة المدفعية لاحظ أن دورة كاملة من طلاب الضباط الذين يدربهم كانوا من العلويين مما دفعه مع بعض المشاركين معه من التنظيم المسلح للإخوان المسلمين من القيام بعملية جريئة لتصفية عناصر هذه الدورة بالكامل وكانت فاجعة مروعة لرؤوس الإنقلابيين من العلويين فقاموا بجريمة مماثلة بحق المعتقلين من الإسلاميين في سجن تدمر فقتلوا المئات من المعتقلين انتقاماً لعملية المدفعية وكان ذلك بأوامر من رفعت الأسد ( شقيق حافظ أسد ) قائد سرايا الدفاع .

           استمرت عملية التحويل الطائفي فترة تزيد على عشرين عاماً ، ولوائح الضباط المسرحون تصل إلى رئيس الجمهورية المغفل أمين الحافظ  ويستبدل بها بضباط علويين يرفعوا إلى رتب عليا بقرارات من وزير الدفاع حافظ أسد العلوي حتى جاء الدور على رئيس الجمهورية أمين الحافظ بالذات فأرسلوا ألوية المغاويير بقيادة سليم حاطوم ( درزي ) للقضاء على الحرس الجمهوري ( الذي كان معظمه من السنة ) وبالتالي اعتقال أو تصفية أمين الحافظ بالذات ، وهنا نلاحظ أن حافظ أسد كان يخطط بدهاء فهو يريد أن يضرب الحرس الجمهوري السني بسلاح المغاوير الدرزي ليتخلص من الطرفين بآن واحد ، وتم القضاء على الحرس الجمهوري الذي دافع عن القصر الجمهوري بكل بسالة ، وأسفرت المعركة عن إنكسار الحرس الجمهوري ومقتل عدد كبير من المغاويير الدروز وهروب رئيس الجمهورية أمين الحافظ بصفقة مع وزير الدفاع حافظ أسد إلى العراق ومن ثم تعيين مغفل سني آخر من حمص هو نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية .

          ومنذ سقوط أمين الحافظ بدأ التوجه إلى تأسيس جيش عقائدي طائفي ( أي بعثي علوي ) بدلاً من الجيش الوطني بعد تمكن الضباط العلويين من معظم مفاصل الجيش والدولة بآن واحد وكان العمل في هذا المجال كما يلي :

 

  • **    العمل على تصفية الضباط السنة من الجيش أو على الأقل إبعادهم عن المراكز الحساسة وتهميشهم حتى أصبح العسكري العلوي في الجبش له سلطة أكثر من الضابط أو ربما من قائد القطعة إذا كان من المقربين ، وأذكر هنا أن مساعد أول ( ضابط صف ) في المنطقة الشماليه كانت له  سطوة أكثر من عميد سني .
  • **    الضغط على الطائفة العلوية للإنتساب إلى الجيش .
  • **    الضغط على أفراد الطائفة العلوية للإنتساب إلى قوات الأمن المختلفة ( الشرطة وفروع المخابرات اامختلفة ) .
  • **     الضغط على بنات العلويين للإنتساب إلى حزب البعث وإلى اتحاد الطلبة والإتحاد النسائي .

 


 

         وبدأ تغلغل الطائفة العلوية في جميع مرافق الدولة حتى البعثات الدراسية العلمية أصبحت حكراً على البعثيين إن لم يتوفر العلويين وأصبحت البعثات الدراسية مرهونة بموافقة رفعت الأسد ( شقيق حافظ الأسد ) الذي كان يحكم سورية من وراء ستار ، وتجمدت فكرة الدستور وفكرة المجلس النيابي وفكرة السلطة التشريعية بل تم تعطيل وتجميد كل السلطات وكل فعاليات الشعب وربطها بشكل أو بآخر بالطغمة العلوية النصيرية الحاكمة في سورية المتمثلة فيما يسمى القيادة القطرية أو القيادة القومية لحزب البعث العربي الإشتراكي الذي أبعد كل مواطن حرٍّ شريف أو كل مواطن سني أو مسيحي أو درزي أو إسماعيلي أو كردي أو تركماني حتى أن عمليات الإستيراد والتصدير والتخليص الجمركي والثروات الطبيعية لسورية أصبحت تتم وفق عمولات ونهب وسلب من قبل الضباط العلويين وعلى رأسهم حافظ أسد الذي احتكر الموارد البترولية لصالح القصر الجمهوري دون أن تمر على ميزانية الدولة .

          مع انطلاقة إنقلاب الثامن من آذار عام 1963 توقف العمل بالدستور وتم القضاء وبشكل كامل على أية بذرة برلمانية أو ديمقراطية ، وفي عام 1965 م أصدرت القيادة القطرية القرار رقم ( 1 ) والقرار رقم ( 2 ) بإيقاف العمل بالدستور رسمياً واستبداله بما يسمى بالمنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الإشتراكي التي عملت على تغيير بنية المجتمع السوري بشكل كامل من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتغيير بنية السلطة الحاكمة بشكل كامل وكان من أهم ملامح هذه المرحلة وهذا التحول :

  • **   تم وضع المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الإشتراكي بدلاً عن الدستور وممثلاً للحياة السياسية في سورية .
  • **  تم تكريس مفهوم القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي بدلاُ عن المجلس النيابي المنتخب من الشعب .
  • **  تم تكريس القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي بدلاً عن السلطة التشريعية للدولة السورية .                     
  • **   أصبح منصب رئيس الجمهورية منصباً شكلياً برتوكولياً بينما يقوم الضباط العلويون بالحكم الفعلي لسورية من وراء حجاب كما حصل في رئاسة أمين الحافظ ونور الدين الأتاسي .
  • **     لم يعد هناك حاجة لانتخاب رئيس الجمهورية وإنما يتم تعيينة من قبل القيادة القطرية .
  • **    إلغاء مسمى ( رئيس الجمهورية ) وإبداله ( برئيس الدولة ) لأن رئيس الجمهورية يجب أن ينتخب من الشعب بشكل مباشر والطغمة الحالكمة لا تملك أي رصيد شعبي كما حصل برئاسة نور الدين الأتاسي الذي أصبح رئيس الدولة وليس رئيساً للجمهورية . 
  • **    إعلان حالة الطوارئ وإصدار قوانين طوارئ أو قوانين عرفية بدلاً عن الدستور والتي استمرت أأكثر من ستين عاماً مسلطة على رقاب الشعب السوري منذر انقلاب 8 آذار 1963 وحتى هذه اللحظة ونحن في عام 2016 م .