أهلاً وسهلاً

الدستور المؤقت لعام 1969 م


بدأت الصراعات داخل الطغمة الإنقلابية الحاكمة في سورية وبشكل خاص داخل أروقة حزب البعث العربي الإشتراكي ، كان العلويين خلال هذه الفترة هم المجموعة المتماسكة والتي تتسلط على معظم المراكز الحساسة في الدولة وخاصة الجيش والأمن والمخابرات ، وفي هذه الفترة وبعد استخدام الدروز يقيادة سليم حاطوم للإطاحة بالرئيس أمين الحافظ ( السني ) بدأ الضغط على الدروز لتقليص نفوذهم وقوتهم ، وبدأت عملية تسريح الضباط وصف الضباط الدروز تماماً كما حدث للضباط السنة سابقاً وعندما شعر قائد المغاوير سليم حاطوم ( درزي ) بهذا التوجه قام بمحاولة انقلاب فاشلة تم بعدها تصفيته وتصفية ألوية المغاوير التابعة له والتي كان معظمها من الدروز وبذلك تم طي ملف ضباط السنة والضباط الدروز وإخراجهم من اللعبة السياسية بشكل كامل ، إضافة إلى ذلك فقد قامت عصابات حافظ أسد في لبنان باغتيال زعيم الدروز آنذاك كمال جنبلاط وبعض الزعامات السياسية المسيحية التي تعارض تدخل الجيس السوري الطائفي العلوي في لبنان حتى وصل الأمر إلى رئيس الوزراء اللبناني السني رفيق الحريري إضافة إلى العديد من الاغتيالات للصحفيين والإعلاميين والسياسيين ، وبعد تصفية النفوذ السني والدرزي في سورية ولبنان لصالح الطائفة العلوية المتنفذة في سورية جاء دور الطائفة الإسماعيلية والمعروف تاريخياً أن العلويين النصيريين والإسماعيلين ينحدرون من طائفة القرامطة الكافرة التي قامت بأعتى الجرائم في حق الإسلام والمسلمين على مدى التاريخ القديم والحديث ولا يوجد بين الطائفتين اختلاف عقيدي إلا أن الإسماعيليين كانت لهم الزعامة على القرامطة حيث كان منهم الإمام المعصوم على حد زعمهم الذي يتلقى التعليمات من الله ، فإمام القرامطة المعصوم هو من الإسماعيليين وكان مركزه منذ ذلك التاريخ في منطقة سلمية قرب مدينة حماة في سورية وكان يتلقى الأموال الطائلة من أتباعه التي كانوا يجنونها من السلب والنهب والسرقة والقتل ، فالخلاف بين العلويين النصيريين والإسماعيليين أن الإسماعيليين كانوا هم الأسياد في العصابة القرمطية وهم أئمة وشيوخ القرامطة ، فليس من المعقول على عصابة النصيريين أن تتركهم في الحكم لذلك قامت بعمليات تسريح وإبعاد عن المراكز القيادية في الحزب والجيش والدولة حتى وصل الأمر إلى اغتيال زعيمين من أكبر زعماء الإسماعيليين من عائلة الجندي وأعلنوا أنهم انتحروا  هكذا بكل بساطة ينتحر زعيمان من عائلة الجندي الإسماعيليين وهما في سدة القيادة في الدولة السورية وهكذا نجد أن هذه الفترة كانت الفترة الأكثر دموية في تاريخ حافظ الأسد وكل ذلك من أجل ترسيخ حكم الطائفة العلوية في سورية والمحافظة على كرسي الحكم والرئاسة له مدى الحياة ولأفراد عائلته الذين كان يعدهم لهذا المنصب بعد موته وهذا ما أصبح واقعاً فيما بعد ، إذ أنه قام بتصفيات دموية شرسة طالت كل من يعارض حكم العصابة العلوية المجرمة . 

        في 25 آذار1969 م عقد المؤتمر القطري الرابع الإستثنائي والذي يعتبر من أسوأ وأخطر المؤتمرات القطرية على سورية وذلك للقرارات والتوجهات الإستبدادية الهامة التي اتخذها هذا المؤتمر ، إضافة إلى هيمنة الضباط العلويين على هذا المؤتمر بعد تصفية وإبعاد المناوئين للعلويين من االحزب ومن جميع مرافق الدولة ، وفي 1 / 5 / 1969 صدر دستور مؤقت آخر عن القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي والذي صدر بالمرسوم رقم ( 141 ) وقالوا بأنه مؤقت لحين تشكيل مجلس شعب منتخب من الشعب يمارس وضع دستور دائم للبلاد ويمارس السلطة التشريعية بشكل فعلي على حد زعمهم ، وهذا الدستور لا يختلف كثيراً عن دستور عام  1963 م لأن كلي الدستورين كانا غائبين عن الحياة السياسية والاجتماعية والإقتصادية بل الحياة الدستورية بشكل عام وذلك لطغيان قانون الطوارئ والقوانين والأحكام العرفية والإستثنائية على جميع مرافق الدولة في سورية .

         أذكر هنا من الأحداث الهامة التي وقعت في سورية في تلك الفترة من التاريخ هزيمة الطغمة الحاكمة في حرب الخامس من حزيران عام 1967 م والتي تم فيها التنازل من قبل حافظ الأسد عن مدينة القنيطرة ومرتفعات الجولان الإستراتيجية السورية وجبل الشيخ الإستراتيجي من قبل حافظ الأسد للإسرائيليين حيث قام المجرم حافظ الأسد بإصدار أوامره بالإنسحاب الكيفي الكامل للجيش السوري من القنيطرة ومرتفعات الجولان ( باعتباره وزيراً للدفاع ) قبل وصول الجيش الإسرائيلي إلى هذه المناطق بإثنتا عشرة ساعة وقيل بعشرين ساعة أو أكثر مما اعتبره الشعب السوري صفقة بيع وشراء مع العدو الإسرائيلي لإرضاء الأسياد في دول الغرب الصليبي وهذا الأمر هو الذي دعم حكمه ونظامه وأوصله إلى سدة الرئاسة هو وابنه المجرم بشار الأسد الذي لم يكن أكثر وطنية من أبيه فباع سورية لكل طامع ومستعمر ودخيل من الإيرانيين والروس وشيعة لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان ، وفي المقابل على الجبهة المصرية قام المقبور جمال عبد الناصر ببيع شبه جزيرة سيناء للإسرائيليين بعد حرب هزلية حيث تم تدمير الطيران المصري بأجمعه وهو على الأرض مما يدل على أن مواقع الطيران المصري كانت كلها مكشوفة للعدو الإسرائيلي أيضاً لكي يحافظ كل من حافظ أسد وجمال عبد الناصر على كرسيه في الحكم وخدمة للعدو الإسرائيلي والأسياد الغربيين . 

           ولقد قام نظام البعث عام 1970 م بإشعال فتنة ضد الأردن الشقيق وسخر لذلك بعض المأجورين من الفلسطينيين المتواجدين على الأراضي الأردنية إضافة إلى دخول وحدات من المغاوير والصاعقة السورية ولكنه نسي أن الأردن مدعوم من قبل الدول الكبرى وهو تحت الحماية البريطانية فانكسرت قوات الأسد مع من تعاون معها وحدثت مذابح مروعة أطلق عليها فيما بعد مجازر أيلول الأسود ، ونسي حافظ أسد الحدود التي رسمها له أسياده فلما تجاوز هذه الحدود لقي جزاءه وهزيمته أمام الجيش الأردني . 


 

         وأريد هنا أن أنوه إلى التقارب بين حافظ أسد وحكام الملالي الشيعي في إيران ، فالمعروف تاريخياً أن العداء بين الشيعة والنصيريين كان عداءً عقائدياً مستحكماً ، وكان شيوخ الشيعة الروافض يعتبرون الطائفة النصيرية طائفة كافرة إلا أن المصالح المشتركة بين سورية وإيران ، والعداء المشترك للغالبية السنية في المنطقة ، وقبل هذا وذاك المخططات الإستعمارية الصليبية الصهيونية لضرب الإسلام والمسلمين عن طريق التنظيمات الطائفية المتطرفة جعل التقارب بين الطرفين واقعاً ملموساً وتحالفاً استراتيجاً على كافة المستويات ، ونتيجة لهذا التحالف الذي تباركه إسرائيل وتباركه الدول الإستعمارية الصليبية التي قامت بخلع الشاه وتنصيب الخميني الذي كان يعد إعداداً جيداً في فرنسا لمثل هذا الدور الخطير في المنطقة . ويجب أن ننتبه هنا إلى أن كل التصريحات العدائية الإسرائيلة والغربية لإيران هي مسرحية لحبك المؤامرة بشكل جيد ، إن دول الغرب وخاصة أمريكا كانت قادرة على الحفاظ على الشاه في إيران ولكن الشاه ليس لديه المقدرة على استقطاب الشيعة في المنطقة على أساس مذهبي طائفي عقدي يستطيع إشعال المنطقة بالصراعات الدموية الطائفية التي هي هدف استراتيجي للقوى الصهونية والصليبية الغربية والشرقية على حد سواء وهذا ما تأكد فعلاً في الأحداث الدموية التي زرعتها إيران خميني وخامنئي في المنطقة والتي أشعلت وجندت كل الشيعة لحرب السنة في بلاد المسلمين ، وأريد هنا أن أذكر بقول وزير الخارجية الأمريكي منذ أربعين عاماً هنري كيسنجر ( وهو يهودي أمريكي ) حيث يقول : ( إن في منطقة الشرق الأوسط طائفتين كبيرتين متناحرتين ومتصارعتين عقائدياً ويجب على الولايات المتحدة أن تستغل هذا الصراع العقدي لتنفيذ مصالحها ) .

         اشتد الصراع على السلطة حتى وصل إلى الضباط العلويين أنفسهم وكان من أهمها الصراع بين حافظ أسد ( علوي من عائلة فقيرة ) وصلاح جديد ( علوي من عائلة مرموقة ) ومحمد عمران ( علوي من مشايخ الطائفة العلوية ) ، أما اللواء محمد عمران فأرسله حافظ أسد إلى لبنان لحبك المؤامرات هناك والسيطرة على الوضع اللبناني خاصرة سورية . وقام حافظ أسد بتصفيته هناك واتهم أعداء الثورة والحرية والإشتراكية بقتله ، وأما صلاح جديد فهو من عائلة علوية مرموقة تفوق عائلة ( الوحش الإسم الحقيقي لعائلة حافظ الأسد ) فقام حافظ أسد باعتقاله ووضعه في السجن في ظروف غامضة حتى مات في السجن ، وفي 16 تشرين الثاني 1970 م قام حافظ أسد بانقلاب عسكري داخلي لإقصاء جميع الخصوم السياسيين عن ساحة الأحداث في سورية والتي أطلق عليها الحركة التصحيحية حيث قام بتصحيح الأخطاء السابقة فأبعد كل الخصوم السياسيين وتفرد بالسلطة وسلم شقيقه رفعت الأسد سرايا الدفاع التي تمتلك أكبر قوة ضاربة في سورية وسرايا الصراع التي تليها من حيث القوة والتجهيزات العسكرية ، وبهذا الإنقلاب الذي أطلق عليه الحركة التصحيحية وصلت سورية إلى أعلى درجات الإستبداد والتسلط وانتشار أجهزة المخابرات العديدة التي تعد على الشعب السوري أنفاسه وتكتم أفواه الناس وهنا انتشر الرعب الحقيقي في نفوس الشعب السوري 

         في 16 تشرين الثاني 1970 م قام حافظ الأسد بانفلاب شبه سلمي بعد أن ضمن تحالفه مع معظم قطعات الجيش والأمن والتي سمب في ذلك الحين بالحركة التصحيحية ذلك لأن جميع مرافق الدولة قد أصابها الفساد والأخطاء وأصبحت بحاجة إلى عمليات تنظيف وتصحيح للأخطاء السابقة وفي هذا الإنقلاب سيطرت عائلة الأسد على المفاصل الرئيسية للدولة حيث تسلم أقرباء حافظ أسد من آل شاليش وآل مخلوف وآل الأسد وغيرهم على مقاليد الحكم وبقي العديد من الضباط العلويين المتحالفين مع الأسد في مناصبهم وفي هذه المرحلة انتخب حافظ أسد رئيساً للجمهورية بانتخابات صورية مزورة فأصبح بذلك رئيساً للجمهورية منتخب من الشعب علماً بأن الدساتير السابقة تنص على أن يكون دين رئيس الدولة الإسلام بينما حافظ أسد علوي نصيري كافر لا يمت إلى الإسلام بأية صلة وهذا مخالف للدستور ولكن ظهرت بعض المسرحيات من أنه أسلم واعتقد بمبادئ الشريعة الإسلامية وسخر لهذه المسرحية عدد من شيوخ السلطة وخطباء المساجد وكان على رأس أولئك آل الخطيب الدمشقيين والدكتور سعيد رمضان البوطي ( كردي ) والشيخ أحمد كفتارو ( كردي ) وعبد الستار السيد من شيوخ الساحل السوري والشيخ محمد الشامي وابنه صهيب والشيخ أديب حسون وابنه أحمد إضافة إلى عدد كبير من المشايخ الذين باعوا دينهم بعرض من أعراض الدنيا ، وفام الأسد الأب بتمثيل دور المسلم الذي يؤدي فرائض الصلوات في المساجد وفي البداية ارتكب حافظ الأسد العديد من الأخطاء الظاهرة في الصلوات إلا أن دهاقنة السلطة ومشايخ النظام نبهوه على هذه الأخطاء فتداركها في فترة وجيزة ، حتى أنه بدأ يظهر بثياب التقوى والصلاح والزهد وبذلك تنطبق على حال الأسد الأب والإبن قصيدة شوقي التي يقول فيها :

 

بـرز الأســـــــد يــومــــاً    فـي ثيـــاب الـواعـظـيـنـا

ومشى في الأرض يهذي    ويســــب المــاكــرينـــــا

ويقـول الحمــــــــــــد لله     إلــه الـعـــالـمـيـنــــــــــا

يـا عـبــــاد الله تـوبـــــوا     فـهـو كـهـف التــائبينـــا

وازهـدوا في الـعيـش إن    العـيش عـيش الـزاهـدينا

واطـلبـوا الـديك يــــؤذن    لصـلاة الـصـبـح فـيـنـــا

فأتـى الـديـــك رســــول    مــن إمـــام النـاسـكـينـــا

عــرض الأمـــر عـليــه    وهـو يـرجـوا أن يـلـيـنـا

فـأجـاب الـديـك عـــذراً     يـا أضــــل الـمهــتديـنـا

بـلـــغ الأســـــد عـنــي     عـن جـدودي الـصالحينا

من ذوي التيجــان ممن     عــرف الأســـد اللـعينــا

أنـهم قـالـوا وخــيـــــر     الـقـول قــول العـارقـينـا

مخطـئ مـن ظنَّ يومـاً     أن للأســـــــد ديـنـــــــــا

 

 

*********


 

               وبعد مايقارب السنتين من انتخاب حافظ أسد أي بتاريخ 12 / 3 / 1973 م طرحت فكرة الدستور من جديد لأن هذا كان من أكبر الأهداف لدى العصابة البعثية العلوية الحاكمة أن يكون حكمهم للبلاد حكماً شرعياً منتخباً من الشعب ووفق دستور للبلاد مؤيد من قبل الشعب يؤكد شرعيتهم حتى لو كان الدستور قد أقرَّ بالتزوير والكذب والألاعيب التي يتقنها أمثال هؤلاء ، وصدر الدستور والذي سمي دستور(1973) م وطرح للإستفتاء الشعبي فرفضه الشعب واعترضوا على العديد من مواد هذا الدستور وحصلت مظاهرات واعتراضات وصدامات مسلحة مع السلطة اعتراضاً على هذا الدستور فقام حافظ أسد بقمعها بدموية وشدة واستعان في ذلك بما كان يسمى سرايا الدفاع وسرايا الصراع والحرس الجمهوري والتي كانت بيد شقيقه المجرم السفاح رفعت الأسد ، وأعلن رسميا أن الشعب صوت لصالح الدستور باستفتاء شعبي حرٍّ ونزيه وأقر هذا الدستور رغم اعتراض الشعب السوري عليه ، وهذا الدستور لم يوضع وفقاً للأعراف الأصولية في وضع الدساتير في الدول الديمقراطية المحترمة من قبل لجنة تأسيسية مختصة منبثقة عن برلمان منتخب بصورة شرعية بل كان بنفس الطريقة التي اتبعها المقبور جمال عبد الناصر في دستور الوحدة أو الدساتير التي تم وضعها في ظل حكم حزب البعث العربي الإشتراكي وهي :

  • **    دستور عام 1964 م .
  • **    دستور عام 1966 م .
  • **    دستور عام 1969 م .
  • **    دستور عام 1971 م .
  • **    وأخيراً دستور عام 1973 م الذي لا يختلف عن سابقيه التي كانت تصدرها القيادة القطرية البعثية ويصادق عليها رئيس الدولة إلا بإجراء استفتاءات صورية مزورة لإعطائه نوعاً من الشرعية الدستورية إضافة لبعض التعديلات التي تزيد من صلاحيات رئيس الجمهورية وصلاحيات القيادة القطرية لحزب البعث والتي أصبح غالبية أعضائها من العلويين أو من المنتفعين الذين لايخالفون للطغاة العلويين أمراً ، وبشكل عام فإن طريقة إقرار وتفعيل دستور 1973 م كانت مخالفة تماماً لجميع الأعراف الديمفراطية والبرلمانية للأسباب التالية :
  • **    مجلس الشعب الذي وضع الدستور هو مجلس معين من قبل السلطة الإنقلابية الحاكمة ( القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي ) .
  • **    القيادة القطرية معينة من قبل قائد عسكري وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري وليس من قبل رئيس جمهورية منتخب من الشعب .
  • **     مجلس الشعب ـ غير المنتخب من الشعب والمعين من قبل الإنقلابيين ـ لم يشكل لجنة تأسيسية متخصصة في الأمور الدستورية والقانونية ومنتخبة من أعضاء مجلس الشعب من أجل صياغة مسودة الدستور وإنما تمت صياغة الدستور من قبل مجلس الشعب بالاستفادة من الدساتير السابقة بعد إعطاء رئيس الدولة الإنقلابي والحزب والقيادة القطرية صلاحيات واسعة مع إبعاد أية فقرة تنص على مرجعية الدين أو الإسلام أو التشريع الإسلامي من مسودة الدستور .
  • **      عملية الإستفتاء على الدستور كانت شكلية مزورة حيث لم تؤخذ بعين الاعتبار المظاهرات التي خرجت في عدد من المدن السورية رافضة للدستور الجديد بل تم قمع واعتقال كل من اعترض على هذا الدستور ، والسوريون كلهم يعرفون كيف تم الاستفناء بطرق إرهابية وتحت مراقبة مشددة من الأمن السوري وكل من يعترض على هذا الدستور يلقى جزاءه المعروف عند المخابرات السورية ، لقد كان ضباط المخابرات وعناصر الأمن هم من يشرف على صناديق الإقتراع ويأتي المواطن فيتم تسجيل إسمه وهويته وبطاقة الإقتراع لا تسلم إلى المقترع وإنما يكتبها عنه ضابط الأمن وتوضع في الصندوق وهذا ما رأيته بأم عيني في قطعات الجيش وفي أمكنة الاقتراع وعندما خرجت المظاهرات منددة ورافضة للدستور الجديد تم قمعها بوحشية وتم اعتقال عدد كبير من المواطنين لرفضهم الدستور .
  • **    لا يختلف دستور 1973 عن الدساتير السابقة إلا بإعطاء صلاحيات واسعة لرئيس الدولة وللقيادة القطرية للحزب وللعصابة الحاكمة من الضباط العلويين إضافة إلى تكريس واضح للعلمانية اللادينية ولإبعاد الدين الإسلامي عن أي مجال في الدولة السورية .
  • **    الطريق التي قام بها الانقلابيون في الاستفتااء على الدستور هي بالضط نفس الطريقة التي قام بها الانقلابي الديكتاتور حسني الزعيم في دستور 1949 م لأن الشعب المغيب المسحوق من قبل العسكر وافق على كلي الدستورين رغماً عن الشعب .
  • **    مجلس الشعب المعين من قبل القيادة القطرية وبمصادقة رئيس الدولة حافظ الأسد هو مشابه تماماً لمجلس الشعب المعين من قبل حسني الزعيم , 
  • **     حصلت انتخابات صورية شكلية لمجلس الشعب في عهد أديب الشيشكلي وتم تعيين مجلس شعب موافق تماماً لحكم العسكر وتم وضع دستور 1953 م والموافقة عليه بشكل روتيني صوري وبذلك نجد أن العسكر يفرضون الدستور بقوة السلاح والأمن لا بقوة الشعب وحريته .
  • **    نفس المسرحية تمت في فترة الوحدة حيث تم الإستفتاء على مشروع الوحدة وعلى انتخاب المقبور جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة فوافق الشعبين السوري والمصري على انتخاب جمال عبد الناصر وكانت النتيجة مذهلة لكل العقول السليمة ( 99.999 % ) فأصدروا الطوابع البريدية التذكارية التي ترسخ هذه النسبة المزورة وكان عندي أحد هذه الطوابع بهذه النسبة السابقة ، وتكررت هذه المهزلة فكانت النسبة عند انتخاب المقبور حافظ أسد ( 99.999 % ) !!!!  تشابهت قلوب الطغاة الديكتاتوريين .
  • **    من أهم ما أهمله دستور عام 1973 م عدم الإشارة إلى دين رئيس الدولة مما أثار احتجاجات لدي الشعب السوري المسلم وحصلت إضطرابات وصراعات ومظاهرات وإغلاق للمحلات التجارية التي تم كسرها ونهبها من قبل عصابات الأسد مما اضطر أصحاب المحلات لفتح محلاتهم ، وكذلك اضطر حافظ الأسد إلى الطلب من مجلس الشعب المعين إضافة المادة رقم 3 والتي تنص ( دين رئيس الجمهورية الإسلام ) وذلك بعد أن ضمن شهادات له ولعائلته من مشايخ السلطة المأجورين بأنه رجل مسلم يصلي ولا يفوته وقت صلاة وأن بعض هؤلاء الشيوخ كان يذهب إلى القصر الجمهوري لتعليم أبنائه وبناته أمور دينهم وقراءة القرآن !!!. فكان جزاء أحدهم القتل من قبل عصابات الأسد وكان جزاء الآخر من شيوخ السلطة المأجورين أن تم قتل ابنه دون أن يتجرأ على اتهام القاتلين بهذه الجريمة لأنهم من العصابة العلوية المجرمة .
  • **   حصل حافظ أسد على فتوى من شيوخ الشيعة الروافض في لبنان والعراق وإيران وعلى رأسهم الخميني وموسى الصدر ومؤخراً الخامنئي بأن الطائفة العلوية النصيرية طائفة مسلمة تتبع الطائفة الشيعية الجعفرية الإثنى عشرية علماً بأن شيوخ الشيعة الأقدمين يكفرون هذه الطائفة ناهيك عن علماء السنة الذين يقولون بأنهم أكفر من اليهود والنصاري لا تؤكل ذبائحهم ولا يزوجوا ولا يتزوج منهم . وهنا لا يسعنا إلا أن نذكر بأهم النقاط التي تضمنها دستور عام 1973 م :
  • **    تكريس الطابع القومي للدولة مما يخدم مصالح العصابة الحاكمة وهذا يؤدي بدوره إلى تكريس العنصرية والطائفية ، وفي هذا المجال ظهرت هيمنة الطابع الآيديولوجي القومي وفق فكر ومبادئ وعقيدة البعث التي تم فرضها بقوة الجيش وبقوة الدستور على المجتمع السوري مع ظهور واضح لشعارات البعث القومية والحزبية ، وقد تم وضع مقدمة النظام الأساسي لحزب البعث نفسها مقدمة للدستور وهذه المقدمة تتصادم وبشكل أساسي وكامل مع المجتمع السوري التعددي والتنوع العرقي والمذهبي والديني للشعب السوري الذي لا يمكن بحال من الأحوال قولبته ضمن قالب جامد واحد ، لقد تكررت كلمة العرب والعروبة وعربي أكثر من 30 مرة في المقدمة وهذا مماثل للمقررات والمنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الإشتراكي.
  • **      تكريس الطابع الإشتراكي للدولة وفي هذا المجال تبنى الإنقلابيون خليطاً غير متجانس من الإشتراكيات المختلفة المتواجدة في الدول الإشتراكية مثل كوبا وكوريا الشمالية والصين وروسيا وغيرها من الدول الإشتراكية أو الشيوعية مع إضافات غير مناسبة لبعض المنطلقات الشيوعية من نظرية ماركس وإنجلز وتشاوشيسكوا وغيرهم ، وهذا كله فرض على الشعب بقوة السلاح فالشعب غير مؤمن بكل هذه التخرصات والأكاذيب اللهم إلا بعض أصحاب المصالح أو المدفوعين من قوى إستعمارية أجنبية . 
  • **    طمس الانتماء الأممي الديني الإسلامي وبلاد الشام والعراق ومصر وغيرها لم يعرفوا طعم العروبة إلا من خلال الإسلام ومن خلال القرآن وكل ادِّعاء للعروبة غير مقترن بالإسلام فهو ادِّعاء باطل كاذب ومضلل ، لقد أطلق القوميون في البلاد العربية وكان على رأسهم حزب البعث العربي الإشتراكي ونظام جمال عبد الناصر وما فرخ بعد ذلك من أحزاب قومية أسساً  ومقومات مزعومة للقومية العربية التي كانوا ينادون بها ، ولو ناقشنا هذه الأسس والمقومات لرأينا أن نيجيريا أقرب إلى السودان ومصر من سوريا والعراق ، ولوجدنا تركيا وإيران أقرب إلى سوريا والعراق من مصر والجزائر أما لو ناقشنا التاريخ المشترك لوجدنا أن العرب لم بكن لهم أي ناريخ مشرف إلا بعد الإسلام فالإسلام هو الذي جعل للعرب دولة وحضارة وكياناً مستقلاً ومميزاً أما قبل ذلك فهم قبائل متصارعة تعيش على النهب والسلب وغزو بعضها الآخر حتى قال قائلهم : 
  • وأحياناً على بكر أخينا      إذا ما لم نجد إلا أخانا

           أي أن العربي قبل الإسلام يمكن أن يغزو أخاه ويسلبه ماله وعرضه ويسبي أبناءه ونساءه ويقتل رجال قبيلة أخيه إذا لم يجد قبيلة أخرى يغزوها ، هذا هو تاريخ العرب ـ قبل الإسلام ـ الذي يريدون أن يبنوا قوميتهم العربية الفاشلة التي انحدرت إلى درجة الإنحطاط المزري بين الأمم بعد تبني دعاة القومية مقاليد الحكم في البلاد العربية ، وهنا يحق لي أن أتساءل لماذا سمحت الدول المتنفذة في العالم في الشرق والغرب بتسلط القوميين على مقاليد الحكم بينما يقومون بقتل وإجهاض أية فكرة تقوم على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف ؟!!!. ذلك لأنهم يخافون عودة الحضارة الإسلامية العالمية الإنسانية من جديد ، تلك هي المؤامرة التي حبكها أعداء الإسلام من الخارج مع أعاء الإسلام في الداخل وهم القوميون العرب لضرب الإسلام والمسلمين وإجهاض أية بادرة قد تودي إلى استيقاظ العملاق الإسلامي النائم كما قال الفس زويمر منذ أمد بعيد ولهذا السبب بالذات نجد أن فكرة القومية العربية وفكرة الأحزاب القومية تم طبخها في بلاد المستعمرين الصليبيين في الشرق والغرب على حد سواء . ولهذا السبب أيضاً كانت فكرة إنشاء الجامعة العربية الهزيلة هي من وضع البريطانيين وليس من وضع العرب !!!. 


 

          لقد كان أول توجه لإبعاد الإسلام عن الدولة في سورية وإبعاد أية فكرة تشير إلى الإسلام في الدستور السوري كان في دستور عام 1950ة م حيث أثار هذا الطرح القومي العلماني اللاديني موجة استياء شعبية كبيرة وانتقادات من العلماء المسلمين في بلاد الشام ، وتتابع هذا الطرح المسخ الذي هو ( عروبة بدون إسلام ) في الدساتير المتتالية التي صدرت في سورية على أيدي الحكام العلمانيين الذين ورثوا السلطة عن أسيادهم المستعمرين الصليبيين ، أو بعبارة أخرى فإن المستعمرين الصليبيين لم يخرجوا من البلاد الإسلامبة إلا بعد اطمأنوا أن هذه البلاد أصبحت في أيدي العلمانيين اللادينيين الحافدين على الإسلام والمسلمين .

          استمر النهج العلماني اللاديني في جميع الدساتير التي وضعت بعد خروج المستعمرين الفرنسيين من سورية حتى وصلنا إلى دستور عام 1973 م الذي يطبع الشعب السوري بطابع النضال القومي اللاديني الذي جاء به دستور حزب البعث العربي الإشتراكي مطابقاً في ذلك للمنطلقات النظرية التأسيسية لحزب البعث والتي تمت صياغتها في بلاد الغرب الصليبي حيث يعتبر النضال الوطني نضالاً قومياً هدفه الأسمى إقامة الوحدة العربية الشاملة على أسس علمانية لا دينية ، وكل عمل أونضال أو فكر عقدي آخر يعتبر باطلاً وخرقاً للدستور وهذه قمة التسلط والديكتاتورية 

****************